أحدث المواضيع
U3F1ZWV6ZTQ4NjU0ODU1Mjc4NzIwX0ZyZWUzMDY5NTY4OTkzNzEzNA==
أحدث المواضيع
أحدث المواضيع

جرائم العرب المسلمين في مصر | حرق مكتبة الأسكندرية | عمرو بن العاص يشعل النار في مكتبة الأسكندرية بأمر الخليفة عمر بن الخطاب

https://kingdomoftheearth.blogspot.com/2019/11/blog-post_575.html
تابع : مصر في عصر الإسلام
تابع : جرائم العرب المسلمون في مصر
حرق مكتبة الأسكندرية
في سنة 642 م



أولاً - مقدمة تاريخية عن مكتبة الأسكندرية
لقد كانت الحاجة مُلحة لإنشاء صرح ثقافي عظيم ، يضم بين جنباته ، عُصارة الخبرات المتراكمة منذ زمن طويل في شتى صنوف العلم والأدب والفلسفة ، وأشكال الثقافات المختلفة والمتنوعة ، والتي أُنتِجَت عبر العصور ، من خلال عقول مُبدعة ومُبتكرة ، صنعت أعمالاً فريدة ، وأسست نظريات خالدة ، وأخرجت لنا في النهاية تلك الكنوز الثمينة في كل ما يتعلق بالفكر والأدب والعلم والفلسفات المختلفة ، والتي تتمثل في هذا الكم الوافر من المؤلفات ، والمدونات ، التي عكفت على وضعها وتصنيفها ، أوائل الأجيال التي أسست علوم الفكر والفلسفة في بلاد اليونان قديماً ، فبرعت في دراسة علم الفلك والنجوم ، ووضعت مبادئ علم الهندسة ، وأبدعت في كافة أشكال الفنون ، منذ فجر تأسيس مدينة الإسكندرية ، تلك المدينة التي زخرت بالعديد من الشخصيات الفذة في مُختلف مجالات العلوم والثقافات ، والتي إعتبرها المؤرخون [ الأجيال التي أسست قواعد الفلسفة والفكر ، ووضعت مبادئ الثقافات المختلفة ، وأرست دعائم العلوم والفنون في تاريخ الإنسانية ] ، تلك الشخصيات التى أفرزت عقولها إبداعات لا حصر لها في شتى المجالات ، وكان السواد الأعظم منها يستوطن مدينة الأسكندرية ، تلك المدينة الساحلية العريقة على ساحل البحر الأبيض المتوسط ، والتي كانت تتميز بموقع منذ فجرها الأولى ، بموقع جغرافي فريد ، جعلها تُناهز من حيث العظمة التاريخية ، والأهمية الإستراتيجية ، أعظم إمبراطوريات الأرض في ذلك الوقت - إمبراطورية مكدونية – حيث أسسها " الإسكندر الأكبر" منذ أن وطأت أقدامه أرض مصر في سنة 323 ق.م ، ثم ما لبثت أن أصبحت عاصمة الثقافة اليونانية الهيلينية في عصر البطالمة ، وكان أول من فكر في تأسيس هذا الصرح ، الذي ضم بين جنباته ، الآلاف من المُجلدات ، والمخطوطات في شتى مجالات العلم والثقافة والفلسفة ، في الوقت الذي كانت فيه مكتبة فارس هي منارة العلم في العالم أجمع ، فأصبحت مكتبة الأسكندرية القديمة التي بدأ في بناءها الملك [ بطليموس الأول " سوتير " ] ، وأكملها إبنه الملك [ بطليموس الثاني " فلادلفوس" ] في سنة 284 قبل الميلاد ، تُناهز من حيث الأهمية الثقافية ، والقيمة العلمية ، مكتبة فارس العريقة .

https://kingdomoftheearth.blogspot.com/2019/11/642.html


https://kingdomoftheearth.blogspot.com/2019/11/642.html


https://kingdomoftheearth.blogspot.com/2019/11/642.html
مكتبة الأسكندرية القديمة كما صورتها بعض السجلات القديمة
في ثلاث صور مختلفة

هذا - ولا يوجد أي شك حول أن مكتبة الإسكندرية من أعرق وأشهر المكتبات القديمة لفترة ما قبل الميلادي ؛ لما تميزت به من فن معماري فريد ومستوى في الرقي من حيث المبنى والمعنى واحتواء المكتبة على كنوز ثمينة من المخطوطات والمجلدات والكتب العلمية في كافة العلوم الإنسانية .
غموض تميزت به مكتبة الإسكندرية في نشأتها فآراء ترى أنها موجودة منذ قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام حيث شيدها الإسكندر الأكبر بعد دخوله لمصر .
بينما مؤرخون آخرون يرون أن البطالمة خلفاء الإسكندر هم الذين تولوا بناء المكتبة خاصة في عصر بطليموس الأول بأمرٍ من الإسكندر الأكبر ، حتى قام بطليموس الثاني بتنفيذ المشروع وإنهاءه نهائياً بعد أن أنفق أموالاً طائلة على المكتبة .
لم تختلف نهاية مكتبة الإسكندرية كثيراً عن نشأتها من حيث إختلاف المؤرخين ، وجاء ذلك الإختلاف ، نظراً لتعرض المكتبة لأكثر من حريق قبل دخول الإسلام إلى مصر.

ثانياً - حرق مكتبة الإسكندرية 
لقد تعرضت مكتبة الأسكندرية على مدار تاريخها الطويل ، للحرق والتدمير لأكثر من مرة - ونحن من خلال السطور القادمة ، سوف نعرض لحضراتكم جانب مما وصل إلينا من معلومات في هذا الصدد .

حريق مكتبة الأسكندرية الأول
يقال أن مكتبة الأسكندرية كانت قد تعرضت لحريق أقدم من ذاك الذي تعرضت له في يد القائد الروماني " يوليوس قيصر " في أربعينيات القرن الأول قبل الميلاد ، ولكن هذا القول لا يوجد حتي الآن ما يدعمه من أسانيد أو دلائل قوية .

حريق مكتبة الأسكندرية الثاني
وكان حريق الثاني في تاريخ الحرائق التي تعرضت لها مكتبة الأسكندرية ، هو حريق عام 48 قبل الميلاد ـ حينما قام " يوليوس قيصر " بإحراق 100 سفينة راسية على شاطئ المتوسط بعد حصار بطليموس الصغير له ، فإلتهمت نيران الحرائق المكتبة ، ودمرت غالبية ما إحتوت عليه من كتب .


https://kingdomoftheearth.blogspot.com/2019/11/642.html

صورة تخيليلة لحريق مكتبه الأسكندرية في عهد 

يوليوس قيصر في سنة 48 قبل الميلاد



حريق مكتبة الأسكندرية الثالث
يُعتبر حريق مكتبة الأسكندرية االثالث والأخير ، هو الحريق الذي قضى على المكتبة بالكامل ، فلم يعد لها أثرُ يُذكر بعد ذلك ، هذا الحريق ، هو الذي تعرضت له بعد إتمام الغزو العربي الإسلامي لمصر ، حيث بدأت الأحداث على النحو التالي : " بعد أن أتم عمرو بن العاص فتحِه لمصر ، إستأذن الخليفة عمر بن الخطاب في أمر المكتبة بعد أن دخل عليه يحيى النحوي الإسكندراني ، وطلب منه كتُبَ الحكمة من الخزائن الملكية ، فكتب إلى أمير المؤمنين عمر الذي أجابه بكتاب يقول فيه : " أما الكتب التي ذكرتها ، فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله فلا حاجةَ إليها " ، وتزعم القصَّة أن عمرو بن العاص ، كان قد قام بتوزَّيع كتب مكتبة الأسكندرية الثمينة والتي لاتُقدر بمال ، على حمامات الإسكندريَّة ، وأحرقها في مواقدِها ، وإستنفَد إستهلاكها مدة ستة أشهر .
وفي مقابل هذه الرواية التي تحدثَت عن آخر عملية حرقٍ لمكتبة الإسكندرية على يدِ المسلمين، فإن العديد من المفكِّرين والباحثين العرب والغرب ، قد ردوا على رواية الحرق تلك، ومِن بينهم السوسيولوجي والمؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون ، وجاك س. ريسلر ، وألفريد بتلر ، وعزيز سوريال عطية ، وعباس العباس ، وعبدالرحمن بدوي وغيرهم.
فالكاتب جوستاف لوبون الذي أورد في كتابه الشهير [ حضارة العرب ] ، قال : أما إحراقُ مكتبَة الإسكندرية المزعوم فمِن الأعمال الهمجيَّة التي تأباها عادات العرب، والتي تجعَل المرء يسأل : " كيفَ جازت هذه القصة على بعض العلماء الأعلام زمنًا طويلاً ؟! ، وهذه القصة دُحضت في زماننا، فلا نرى أن نعود إلى البحث فيها، ولا شيء أسهلَ مِن أن نُثبت بما لدينا من الأدلة الواضحة أن النصارى هم الذين أحرَقوا كتبَ المُشركين في الإسكندرية قبل الفتح العربي بعنايةٍ كالتي هدموا بها التماثيل ، ولم يبقَ منها ما يُحرق " .
ولعل أول المواضع التي ورد فيها ذكر تهمة قيام عمرو بن العاص بحرق المكتبة هو المؤرخ عبداللطيف البغدادي الذي ولد في العام 557 هجري ، ومات في العام 629 هجري ، وذلك في كتابه " الإفادة والإعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر " . 
ومن كلام البغدادي استدل باقي المؤرخون على روايته كجمال الدين القفطي في كتاب إخبار العلماء بأخبار الحكماء ، وكذلك أبو الفرج بن هارون الملطي المعروف في التاريخ بإسم إبن العبري السرياني في كتاب مختصر الدول .
وفيما يلي - سوف نقدم للقراء ، جانب مما ذكره الكاتب الكبير " عباس محمود العقاد " في كتابه [ عبقرية عمر ] - حيث سنركز الضوء على ما ورد في هذا الكتاب من دراسة تفصيلية عن واقعة حرق مكتبة الأسكندرية ، وإرتباطها بتاريخ العرب المسلمين - وتحديداً - خلال فترة ولاية عمرو بن العاص لمصر .
حيث جاء في أحد فصول كتاب [ عبقرية عمر ] - للكاتب والمفكر الكبير " عباس محمود العقاد " - وتحديداً - الفصل المعنون بعنوان " ثقافة عمر" ليستطرد به الكلام إلى مدى صحة الرواية التي شاعَت، وكانت محلَّ بحث ودراسة من قِبَل الكثير من الباحثين والمؤرِّخين، والتي مُفادها أن الخليفة الفاروق "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه، كان قد أمر واليَه عمرو بن العاص بحرق مكتبة الإسكندرية، هذه المكتبة التي كانت قد حوت كتب وعلوم الحضارتين الفرعونية والإغريقية.
"وهي أول وأعظم مكتبة عُرِفت في التاريخ، وظلَّت كبرى مكتبات عصرها، أُنشِئت على يد خلفاء الإسكندر الأكبر، منذ أكثر من ألفَيْ عام، لتضمَّ أكبر مجموعة من الكتب في العالم القديم، والتي وصل عددها آنذاك إلى 700 ألف مجلد، بما في ذلك أعمال هوميروس ، ومكتبة أرسطو " . 
يقول العقاد: "فَحْوَى تلك الرواية أن عمرو بن العاص رَفَع إليه خبر المكتبة الكبرى في الإسكندرية ، فجاءه الجواب منه بما نصه : ( أما الكتب التي ذكرتها، فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ، ففي كتاب الله عنه غنى ، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليه ، فتقدم بإعدامِها ) ، قال مُفصِّل هذه الرواية : فوُزِّعت الكتب على أربعة آلاف حمام بالمدينة، ومضت ستة أشهر قبل أن تستنفد لكثرتها " .
والعقاد وإن كان يسلِّم موقنًا "أن كذب الحكاية أرجح مِن صدقها، وأنها موضوعة في القرن الذي كتبت فيه، ولم تتَّصِل بالأزمنة السابقة لها بسند صحيح " .
نجده يعرض لآراءِ مَن كتبوا في هذا الموضوع - قائلًا :
"وأحرى شيء أن يلاحظ في مسألة المكتبة هذه ، أن الذين دحضوها وأبرؤوا عمر من تَبِعَتها ، كان معظمهم مِن مؤرخي الأوروبيين الذين لا يُتَّهمون بالتشيع للمسلمين، وكانوا جميعًا من الثقات الذين يُؤخذ بنتائج بحثهم في هذا الموضوع ".
ثم يعرض أقوالهم والحجج التي استندوا إليها في هذا الإنكار، فيذكر المؤرخ الإنكليزي الكبير إدوارد جيبون - Gibbon  صاحب كتاب : " الدولة الرومانية في انحدارها وسقوطها "، ويذكر قوله : ( أما أنا من جانبي، فإنني شديد الميل إلى إنكار الحادثة وتوابعها على السواء ) .
وينقل كلامه الذي بدأ فيه متعجبًا ، ووجهُ العجب لديه أن ناقل هذا الخبر غريب يكتب على تخوم ميديا بعد ستمائة سنة، في حين سكت عن هذه الحادثة اثنان من المؤرخين ، كلاهما مسيحي ، وكلاهما مصري ، أقدمهما البطريق بوتيخيوس  Eutychiu ، الذي يذكر أنه توسَّع في الكتابة عن فتح الإسكندرية.
ويوضِّح جيبون أن "أصحاب الفهم الصحيح المستقيم من فقهاء المسلمين يُفتُون بتحريم إحراق الكتب الدينية، التي تُغنَم من اليهود والمسيحيين في الحرب، وما كان من الكتب دنيويًّا ظنينًا، سواء ألفه المؤرخون أو الشعراء أو الأطباء أو الفلاسفة، فحكمهم فيه أن يستخدم على الوجه المشروع لمنفعة المؤمنين ] " .
وبعد أن يتطرَّق إلى حريق المكتبة على يد القيصر، وهو يدافع عن نفسه، ثم إلى تعصب المسيحيين الأوائل الذين كانوا يُحرِقون كل ما يمتُّ إلى عبادة الأصنام بصلة، وهذا ما يجعله يستبعد أن تكون أعداد الكتب المتبقية، بتلك الكميات الهائلة التي ذكرت آنفًا.
ويختم الكلام بقوله: "فإن كانت هذه هي الوقود الذي أفنته الحمامات، بما كان فيها من جدل بين القائلين بتعديد الطبيعة المسيحية، والقائلين بتوحيدها، فقد يرى الفيلسوف - وعلى فمه ابتسامةٌ - أنها كانت في الحمامات أنفع لبني الإنسان"[7].
ثم ينتقل الأستاذ محمود العقاد إلى المؤرخ الإنكليزي الدكتور ألفرد بتلر Butler" الذي أسهب في تاريخ فتح العرب لمصر والإسكندرية، يلخص الحكاية وينقضها ابتداءً"؛ لأسباب شتى، يلخصها العقاد فيما يلي:
1 - إن يوحنا فلبيوتوس الذي قيل إنه خاطب عمرو بن العاص في أمر المكتبة لم يكن حيًّا في أيام فتح العرب لمصر " .
2 - إن كثيرًا من كتب القرن السابع كانت من الرَّق - (بفتح الراء وكسرها، جلد رقيق يكتب فيه) - وهو لا يصلح للوقود، وأننا لو صرفنا النظر عن الكتب المخطوطة على الرق، لما كفى الباقي من ذخائر المكتبة لوقود أربعة آلاف حمام مائة وثمانين يومًا ". 
- " أنها لو قضى الخليفة بإحراقها لأحرقت في مكانها، ولم يتجشموا نقلها إلى الحمامات، مع ما فيه من التعب، ومع إمكان شرائها من الحمامات بعد ذلك بأبخس الأثمان " . 
- تأخر كتابتها زهاء خمسة قرون ونصف قرن بعد فتح الإسكندرية، ثم كتابتها بعد ذلك خلوًا من المصادر والإسناد 
 ثم ينتقل العقاد إلى المستشرق كازانوفا ، الذي يسمي بدوره الحكايةَ إسطورةً ، ويقدم إعتراضًا آخر أشد خطورة ، ألا وهو : " أن ما ذكر عن يحيى النَّحْوي منقول عن كتاب الفهرست لابن النديم في أواخر القرن العاشر، وفيه أن يحيى هذا عاش حتى فتحت مصر، وكان مقربًا من عمرو، ولم يذكر شيئًا عن مكتبة الإسكندرية ، فحادثة المكتبة إذًا من أوهام إبن القفطي ، أخذها عن خرافة كانت شائعة في عصره ".
ثم يذكر قول إبن خلدون : " إن العرب لَمَّا فتحوا بلاد الفرس ، سأل سعد بن أبي وقاص عمر عما يأمر به في شأن الكتب التي بها ، فأمره بإلقائها في اليم، فانتقلت القصة من فارس إلى الإسكندرية مع الزمن، وفعل الخيال فعلَه في تحريفها " . 
ثم ينقل الأستاذ العقاد أن إبن القفطي كان أول مَن ألف هذه الأسطورة.
أما من المشارقة ، فيعرج بنا العقاد - عليه رحمة الله - على المؤرخ جورجي زيدان في الجزء الثالث من كتابه " تاريخ التمدن الإسلامي " ، وأنه "كان يميل إلى نفيِ الحكاية، ثم عدل عن ميله هذا إلى قَبولها " .
وينقل قوله: "والغالب أنهم ذكروها ، ثم حذفت بعد نضج التمدن الإسلامي، واشتغال المسلمين بالعلم ومعرفتهم قدر الكتب ".
ثم يُفنِّد العقاد هذا الزعم من جرجي زيدان، ويرى " أن إبن القفطي كان أَولى ممَّن تقدموه بالسكوت عن حريق المكتبة بأمر عمر بن الخطاب ، لو كان الذين تقدموه قد سكتوا عنه لعِرْفانِهم قدرَ الكتب وغيرتهم على سمعة الخلفاء الراشدين ، فإن إبن القفطي لا يجهل قدر الكتب ، ولا يسبقه سابق من المؤرخين في المغالاة بنفاسة المكتبات ".
ثم يضيف العقاد : " فلا بد من تعليل أصوبَ من هذا التعليل، لسكوت المؤرخين المسلمين والمسيحيين الذين شهِدوا فتح مصر عن هذه الحكاية ، إلى أن نجمت بعد بضعة قرون " .
ويخلص العقاد إلى أن هذه القصة " مدسوسة على الرواة المتأخرين " ، للتشهير بالخليفة المسلم وتسجيل التعصب الذميم عليه وعلى الإسلام " .
وفي تحليل وتعليل جميلينِ ، يحاول العقاد تفسيرَ الغموض الذي صاحب تلفيق هذه الحكاية :
1 - أن يكون الملفِّق عليمًا بالأقوال والأحوال التي أُثِرت عن عمر بن الخطاب، ولم تكن هذه الأقوال والأحوال معلومةً مستفيضة الخبر بين المسلمين أنفسهم عند فتح الإسكندرية ، فضلاً عن المسيحيين أو الإسرائيليين ، وإنما عُلِمت ، وإستفاضت بعدما دوِّنت السير ، وجمعت المُتفرقات.
2 - أن يكون الملفِّق عارفًا بما في هذه التهمة من المعابة، شاعرًا بما فيها من الإعتساف والغرابة ، ولم يكن هذا أيضًا مفهومًا في أيام فتح الإسكندرية بين خصوم الإسلام؛ لأنهم كانوا قد تعوَّدوا إحراق الكتب والتماثيل، واعتبار الوثنية وبقاياها رجسًا من عمل الشيطان، يستحق نار الدنيا قبل نار الجحيم " .
3 -  قد يستلزم تلفيق الحكاية أن تكون مصرُ أخبارها موضع اهتمام ومَثار قيل وقال، ولم تكن مصر قِبْلة أنظار العالم كما كانت في أوقات الحروب الصليبية " .
4 - وقد يستلزم كذلك أن يكون العصر حزازة بين الإسلام وخصومه، كما كان عصر الحروب الصليبية وما قبله بقليل " .
5  -أن يشترك في القيل والقال حافِظو الكتب الإغريقية في بيزنطية وشواطئ آسيا الغربية، وهي البلاد التي كانت مَوطِئ أقدام الجيوش في الكر والفر ، والقدوم والإياب، ومنها تدفق حافظو الكتب إلى أوروبا عندما أغار الترك على بيزنطية من تلك الأرجاء " .
إذًا هذه الأسباب مجتمعة أخَّرت ظهور هذه الحكاية ، إلى زمن القفطي ، والبغدادي، وأبي الفرج الملطي ، ثم يعود العقاد إلى التساؤل عمَّا يمكنه أن يلحق بخليفة المؤمنين من عارٍ ، إن كان حقًّا قد أمر بإحراق المكتبة؟ 
وهل هي حقًّا شيء مفيد للمسلمين ولغيرهم من الأمم ؟
وأنها ذخيرة من ذخائر العالم لا يجوز التفريط فيها ؟
ويجيب العقاد عن هذا التساؤل قائلًا :
"إن أحوال الروم والقِبْط في ذلك العهد، لم يكن فيها دليلٌ واحد على أنهم محتفظون بينهم بمعرفة نفيسة ، وأن ضياع كتبهم فيه ضياع لذخيرة من ذخائر العالم التي لا يجوز التفريط فيها ؛ فقد كانوا على شر حال من الضعف والفساد ، والجهل ، والهزيمة ، والشقاق ، والتهالك على سفاسف الأمور " .
وهكذا يرى العقاد أن الخليفة عمر بن الخطاب ، حين أثر عنه " ألا كتاب إلا كتاب الله"، " كان ولا ريب يؤثر للمسلمين أن يُقبِلوا على دراسة القرآن ، ويقدِّموا فهمه على فهم كل كتاب، وهذا واجبه الأول الذي لا مراء فيه" ، " فبالتجرِبة الواقعية أيقن عمر أن المسلمين بكتابهم خرَجوا من الظلمات إلى النور ، وإنتصروا على مَن حاربوه ، وعندهم كل كتاب " ، " وأين هي الغنيمة الروحية التي تعدل في كتاب مِن الكتب بعض ما غنمه المسلمون بوحي القرآن في صدر الإسلام ؟ " .
ويختم العقاد - رحمه الله - بحثَه، وقد خلص إلى نتيجة مُفادها : " إن عمر يجوز أنه أمر بإحراق المكتبة على أبعد إحتمال " ، وهو قد وازن بين معرفة ظاهرة النفع، ومعرفة مجهولة ظواهرها كلها تغري باتهامها !

أعدها للنشر الكاتب / أشرف صالح


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة

التصنيفات
تاريخ البطاركة201 مقالات تاريخية67 تاريخ الحضارة المصرية القديمة46 مقالات متنوعة27 مقالات في التاريخ24 تاريخ الكتاب المقدس23 أبحاث تاريخية21 مصر في العصر اليوناني21 تاريخ مصر القديم16 تاريخ مصر في العصر الروماني16 تاريخ الإمبراطورية الرومانية15 الاباطرة الرومان14 تاريخ مصر في عصر الإسلام14 تاريخ مصر في عصور الإسلام13 قسم المخطوطات13 تاريخ الحروب الصليبية | موسوعة شاملة في تاريخ الحملات الصليبية12 موسوعة الحروب الصليبية12 تاريخ البدع والهرطقات11 مقالات متنوعة في التاريخ11 موسوعة آباء الكنيسة11 أبحاث تاريخية | تاريخ المتاحف الكبرى في مصر والعالم10 تاريخ الإمبراطورية الرومانية الشرقية10 موسوعة الكنائس والأديرة10 تاريخ الرهبنة المصرية9 تاريخ الكنيسة9 تاريخ الحروب الصليبية8 دراسات في تاريخ الكنيسة القبطية8 تاريخ الكون6 موسوعة الآباء الرهبان6 بطاركة الإسكندرية5 أبحاث تاريخية | تاريخ الجامعات المصرية4 تاريخ البطالمة4 تاريخ الحملات الصليبية | مشاهير قادة الجيوش الصليبية4 دراسات في التاريخ العربي الإسلامي4 مكتبة المرئيات4 أبحاث تاريخية | تاريخ الأسكندرية عبر العصور3 أبحاث تاريخية | حريق القاهرة في يناير عام 1952م3 تاريخ الجامعات المصرية3 تاريخ الحضارات الإنسانية الأولى3 تاريخ روما القديم3 تاريخ مصر في عصور الإسلام | العصر العثماني | الأسرة العلوية3 مصر في العصر الجمهوري3 مصر في العصر اليوناني | مقدمة3 أبحاث تاريخية | الإسكندر الأكبر2 أبحاث تاريخية | التاريخ المصري القديم2 أبحاث تاريخية | الحروب الصليبية في تاريخ مصر2 أبحاث تاريخية | المتحف المصري2 أبحاث تاريخية | تاريخ الكنيسة2 أبحاث دينية ولاهوت2 التاريخ الطبيعي للأرض2 تاريخ الانسان الاول2 تاريخ البطاركة | مقدمة عن تاريخ الكنيسة القبطية2 تاريخ الثورات في مصر2 تاريخ مصر في العصر الجمهوري2 تاريخ مصر في العصر الروماني | فصل خاص عن تاريخ الإمبراطورية البيزنطية ما بعد الإسلام2 تاريخ مصر في العصر اليوناني2 تاريخ مصر في عصر الإسلام | الدولة العثمانية | تاريخ الأسرة العلوية2 تاريخ مصر في عصر الإسلام | عصر الأسرة العلوية2 تاريخ مصر في عصر الإسلام | عصر الدولة الأيوبية2 تاريخ مصر في عصر الاسلام | جرائم العرب المسلمين في مصر2 حياة الديناصورات2 مصر في عصر الإسلام | عصر الخلفاء الراشدين2 مصر في عصور الإسلام | عصر الخلفاء الراشدين2 مقالات في الدين2 أبحاث الكتاب المقدس1 أبحاث تاريخية | أكتشاف الصليب المقدس1 أبحاث تاريخية | تاريخ أقدم القصور في مصر والعالم1 أبحاث تاريخية | تاريخ الحملات الصليبية1 أبحاث تاريخية | حياة الأسد المرقسي1 أبحاث تاريخية | رحلة العائلة المقدسة إلى مصر1 أبحاث تاريخية | رحلة العائلة المقدسة إلى مصر21 أبحاث تاريخية | مقدمة عن تاريخ الحملات الصليبية1 أبحاث تاريخية حصرية | الحملة الفرنسية على مصر1 أبحاث تاريخية حصرية | محمد على باشا الكبير | تاريخ الأسرة العلوية1 أبحاث في اللاهوت والعقيدة1 إنسان العصر الحجري ومراحل التطور | تاريخ الإنسان عبر العصور1 التاريخ الطبيعي وأوائل الكائنات1 العصر العثماني | إكتشاف حجر رشيد1 العصر العثماني | الحملة الفرنسية على مصر1 تاريخ الأرض الطبيعي1 تاريخ الإمبراطورية الرومانية الغربية1 تاريخ العالم | القرن الرابع الميلادي1 تاريخ الكون وبداية نشأة الحياة على كوكب الأرض1 تاريخ الكون وبداية نشأة كوكب الأرض | فيديو أحدث الإكتشافات العلمية في مجال علم الفضاء1 تاريخ المسيحية في مصر1 تاريخ مصر في عصر الإسلام | عصر الدولة الأموية1 تاريخ مصر في عصور الاحتلال | عصر الجمهورية1 جرائم العرب المسلمون في مصر | الكاتب / أشرف صالح1 حضارات ما قبل التاريخ | حضارات ما قبل الطوفان العظيم1 دراسات في الكتاب المقدس1 دراسات في تاريخ الإسلام1 دراسات في تاريخ العالم القديم1 قاموس القديسين والشهداء1 مصر عصر الإسلام | عصر الدولة العباسية | الدولة العباسية الثانية1 مصر في العصر الإسلامي | مقدمة الكاتب أشرف صالح عن تاريخ العرب القديم ما قبل الإسلام1 مصر في عصر الإسلام1 مصر في عصر الإسلام | الدولة الإخشيدية1 مصر في عصر الإسلام | الدولة الطولونية | مقدمة عن الدولة الطولونية1 مصر في عصر الإسلام | العصر الأموي1 مصر في عصر الإسلام | العصر العباسي | الدولة العباسية الأولى1 مصر في عصر الإسلام | جرائم عمرو بن العاص | حرق مكتبة الأسكندرية1 مصر في عصر الإسلام | دراسات في تاريخ الإسلام وحكم مصر1 مصر في عصر الإسلام | عصر الدولة العباسية الرابعة1 مصر في عصر الإسلام | عصر الدولة العثمانية | تاريخ الأسرة العلوية1 مصر في عصر الإسلام | عصر المماليك البرجية الشركسية1 مصر في عصر الإسلام | مصر في عصر الخلفاء الراشدين1 مصر في عصور الإحتلال | عصر الدولة الأيوبية1 مصر في عصور الإحتلال | عصر الدولة العباسية الثالثة1 مصر في عصور الإحتلال |عصر المماليك1 مصر في عصور الإسلام | العصر الجمهوري1 مصر في عصور الإسلام | عصر الدولة العباسية1 مقتطفات من حياة البطاركة1 موسوعة أقباط مصر1 موسوعة أنبياء العهد القديم1 موسوعة المؤرخون الأوائل1 موسوعة مصر التاريخية الشاملة1 موسوعة مملكة الأرض الجغرافية1