
فسعى بعض أعيان النصارى في فتح كنيسة حتىفتحها ، فثارت العامة ، ووقفوا للنائب والأمراء وإستغاثوا بأن النصارى قد فتحوا الكنائس بغير إذن ، وفيهم جماعة تكبروا عن لبس العمائم الزرق واحتمى كثير منهم بالأمراء ، فنودي في القاهرة ومصر أن يلبس النصارى بأجمعهم العمائم الزرق ويلبس اليهود بأسرهمالعمائم الصفر ومن لم يفعل ذلك نُهب ماله وحُلّ دمه. ومنعوا جميعًا من الخدمة فيديوان السلطان ودواوين الأمراء حتى يُسلموا ، فتسلطت الغوغاء عليهم ، وتتبعوهم ، فمنرأوه بعْير الزيّ الذي رسم به ضربوه بالنعال وصفعوا عنقه حتى يكاد يهلك ، ومن مرّ بهموقد ركب ولا يثني رجله ألقوه عن دابته وأوجعوه ضربًا،فاختفي كثير منهم.وألجأتالضرورة عدة من أعيانهم إلى إظهار الإسلام أنفة من لبس الأزرق وركوب الحمير) ، ويختم المقريزى الرواية بقوله : وقد أكثر شعراء العصر في ذكر تغيير زيّ أهل الذمّة ، فقال علاء الدين علي بن مظفر الوداعي :
ويذكر المقريزى في ذات الصدد يقول : ( إلى أن اتفق مرور بعض كتاب النصارى على الجامع الأزهر من القاهرة ، وهو راكب بخف ومهماز وبقباء إسكندريّ طُرح على رأسه ، وقدامه طرّادون يمنعون الناس من مزاحمته، وخلفه عدّة عبيد بثياب سرية على أكاديشفارهة، ) ثار الحقد والحسد عند رؤية موظف قبطى يسير فى موكبه ـ شأن أمثاله من الموظفين المسلمين ، ولكن هذا شقّ وصعُب على المسلمين المتعصبين ، يقول المقريزى : ( فشق ذلك على جماعة من المسلمين ، وثاروا به وأنزالوا عن فرسه ، وقصدوا قتله ، وقداجتمع عالم كبير ، ثم خلوا عنه . وتحدّث جماعة مع الأمير طاز في أمر النصارى وما همعليه ، فوعدهم بالإنصاف منهم ، فرفعوا قصة ( شكوى ) على لسان المسلمين ، قُرئت على السلطان الملكالصالح صالح بحضرة الأمراء والقضاة وسائر أهل الدولة، تتضمن الشكوى من النصارى وأنيعقد لهم مجلس ليلتزموا بما عليهم من الشروط ، فرسم بطلب بطرك النصارى وأعيان أهلملتهم وبطلب رئيس اليهود وأعيانهم ، وحضر القضاة والأمراء بين يدي السلطان ، وقرأالقاضي علاء الدين عليّ بن فضل الله كاتب السرّ العهد الذي كتب بين المسلمين وبينأهل الذمّة ، وقد أحضروه معهم حتى فرغ منه ، فالتزم من حضر منهم بما فيه وأقرّوا به) أى أقر رؤساء النصارى واليهود ( بجرائمهم ) ولكن هذا لم يرض قادة ( المسلمين ) فعدّدوا ( جرائم النصارى واليهود ) ، يقول المقريزى : (فعدّدت لهم أفعالهم التي جاهروا بها وهم عليها وأنهم لا يرجعون عنها غير قليل ثميعودون إليها ، كما فعلوه غير مرّة فيما سلف ، فاستقرّ الحال على أن يمنعوا من المباشرة ، بشيء من ديوان السلطان ، ودواوين الأمراء ولو أظهروا الإسلام ، وأن لا يُكره أحد منهمعلى إظهار الإسلام ، ويُكتب بذلك إلى الأعمال.).
هذا الظلم الذى يتضح فى هذه القرارات ضد أهل الكتاب كان بلا سبب ، ولكنه صار سببا ًومبرراً لظلم أشنع ، قام به عوام المسلمين متشجعين بتلك القرارات الظالمة ، يقول المقريزى : ( فتسلطت العامّة عليهم وتتبعوا آثارهم وأخذوهم في الطرقات وقطعوا ماعليهم من الثياب وأوجعوهم ضربًا ولم يتركوهم حتى يُسلموا ، وصاروا يضرمون لهم النارليلقوهم فيها ، فاختفوا في بيوتهم ، ولم يتجاسروا على المشي بين الناس ، فنودي بالمنع من التعرض لأذاهم ، فأخذت العامّة في تتبع عوراتهم وما علوه من دورهم على بناء المسلمين ، فهدموه . واشتدّ الأمر على النصارى باختفائهم حتى أنهم فقدوا من الطرقات مدّة فلم يرمنهم ولا من اليهود أحد . فرفع المسلمون قصة قرئت في دار العدل في يوم الاثنين رابععشر شهر رجب تتضمن أن النصارى قد إستجدّوا عمارات في كنائسهم ، ووسعوها .
هذا - وقد اجتمع بالقلعة عالم عظيم وإستغاثوا بالسلطان من النصارى ، فرسم بركوب والي القاهرة وكشفه على ذلك ، فلم تتمهل العامّة ومرّت بسرعة، فخرّبت كنيسة بجوار قناطر السباع وكنيسة بطريق مصر للأسرى وكنيسة الفهادين بالجوّانية من القاهرة ، ودير نهيا من الجيزةوكنيسة بناحية بولاق التكروري ، ونهبوا حواصل ما خرّبوه من ذلك ، وكانت كثيرة وأخذواأخشابها ورخامها ،وهجموا على كنائس مصر والقاهرة . ولم يبق إلاّ أن يخرّبوا كنيسةالبندقانيين بالقاهرة ، فركب الوالي ومنعهم منها .
وإشتدت العامة ، وعجز الحكام عن كفهم.
وكان قد كُتِبَ إلى جميع أعمال مصر ، وبلاد الشام : أن لا يُستخدمَ يهوديّ ولا نصراني ، ولو أسلم ، وأنه من أسلم منهم لا يمكن من العبور إلى بيته ولا من معاشرة أهله إلاّ أنيُسلموا ، وأن يُلزم من أسلم منهم بملازمة المساجد والجوامع لشهود الصلوات الخمسوالجمع ، وأنّ من مات من أهل الذمة يتولى المسلمون قسمة تِركته على ورثته، إن كان لهوارث وإلاّ فهي لبيت المال .وكان يلي ذلك البطرك . وكتب بذلك مرسوم قرئ على الأمراء ، ثمنزل به الحاجب فقرأه في يوم الجمعة سادس عشري جمادى الآخرة بجوامع القاهرة ومصر ، فكان يومًا مشهودًا.
ثم أحضر في أخريات شهر رجب من كنيسة شبرا بعدما هدمت إصبع الشهيد الذي كان يُلقى في النيل حتى يزيد بزعمهم . وهو في صندوق ، فأحرق بين يدي السلطان بالميدان من قلعة الجبل وذرى رماده في البحر خشية من أخذ النصارى له.
فقدمت الأخبار بكثرة دخول النصارى من أهل الصعيد والوجه البحريّ في الإسلام وتعلمهم القرآن ، وإن أكثر كنائس الصعيد هُدمت وبُنيت مساجد ، وأنه أسلمبمدينة قليوب في يوم واحد أربعمائة وخمسون نصرانيًا ، وكذلك بعامة الأرياف مكرًا منهموخديعة ، حتى يُستخدموا في المباشرات - وينكحوا المسلمات - فتم لهم مرادهم ، وإختلطت بذلك الأنساب حتى صار أكثر الناس من أولادهم . ولا يُخفي أمرهم على من نوّر الله قلبه ، فإنه يُظهر من آثارهم القبيحة إذا تمكنوا من الإسلام وأهل ما يَعرف به الفطن سوء أصلهم ، وقديم معاداة أسلافهم للدين وحملته ).










إرسال تعليق