حينما أُعلِنَ فسباسيان إمبراطوراً
بواسطة الجنود في يهودا ، قرر الذهاب لتقديم طلبه ، وبمجرد أن وصل إلى إيطاليا في نهاية عام
69 م ، وضع نُصُب أعينه ، ضرورة إرجاع الدولة الرومانية إلى سابق عهدها وسالف مجدها القديم ، وعمل على إسترجاع هيبتها ، وإستعادة تمويلاتها ، فكان فسباسيان - مثالاً للمعيشة المقتصدة مقارنة مع حياة
نيرون ، الذي سلك في الشرور والرذائل ، وإنطلق نحو إشباع رغباته وأهوائه وملذاته الشخصية ، مُنصرفاً عن مهامه المنوط به كإمبراطور يحكم إمبراطورية بحجم الإمبراطورية الرومانية ، فآلت الأوضاع إلى أسوأ صورها منذ تأسست الإمبراطورية على يد الإمبراطور "أوغسطس قيصر".
الجلوس على عرش
الإمبراطورية الرومانية
لقد تسلم الإمبراطور
" فسباسيان " مقاليد حكم الإمبراطورية الرومانية ، في فترة عصيبة من
تاريخها ، كانت تُعاني فيها الكثير من أشكال الإهمال والفقر ، فمن تردي الأوضاع الداخلية
نظراً لسوء حكم الإباطرة السابقين – أمثال نيرون ، ومن بعده المتصارعين على العرش
" جالبا " ، و " أثو " ، و" فتلليوس " ، إلى إنعدام
الصِلة بعدد كبير من دول الجوار ، وتوقف عمليات التبادل التجاري بشكل كبير ، مما
أدى في النهاية إلى تفاقم الأوضاع الإقتصادية ، والإضرار بالخزانة العامة
للإمبراطورية من تراكم الديون عليها ، وكاد الشعب الروماني يواجه أزمة إقتصادية
طاحنة ، مع إحتمال حدوث مجاعة وقحط شديدين ، وإرتفعت معدلات البطالة في
الإمبراطورية ، وسادت حالة من الإضطراب الداخلي ، كادت تعصف بأمنها ، وسلامتها ، وتقودها
إلى الإنهيار.
الإمبراطورية الرومانية والتحول
من الإنهيار إلى الإزدهار
لفطنة " فسباسيان
" المعهودة في كل أموره التي تولى زمامها ، فقد أيقن مقدار خطورة الأوضاع ، ومدى خطورة تهديدها للأمن الداخلي ، والخارجي أيضاً للإمبراطورية ، فمبدئياً ،
أدرك أنه في حاجة إلى 40.000.000.000 سسترس لكي ينتشل البلاد من وهدة الإفلاس ، ويعيد الثقة إلى خزانة الدولة فعمل على جمع هذا المال بأن فرض الضريبة على كل شيء
تقريباً ، وزاد خراج الولايات ، وأعاد فرض الخراج على بلاد اليونان ، ورد إلى الدولة
الأراضي العامة وأجرها للأفراد، وباع القصور والضياع الإمبراطورية ، وفرض الإقتصاد
الدقيق في نفقات الدولة إلى حد جعل الناس ينددون به ويقولون عنه إنه فلاح بخيل ،
وقرر ضريبة على المباول العامة التي كانت تزدان بها روما القديمة كما تزدان بها
رومة الحديثة.
وقد إحتج إبنه " تيطس " على هذه الضريبة الأخيرة المُنافية للكرامة ، ولكن
الإمبراطور الشيخ أمسك بيده بعض النقود المحصلة منها وقربها من فم الشاب وقال له :
" إنظر يا بني ، هل تَشُمَ لها رائحة كريهة ؟ ".
ومن الإتهامات التي وُجِهت إلى الإمبراطور فسباسيان من قِبَل بعض المؤرخون - ما جاء على لسان المؤرخ الروماني : سوتونيوس ، حيث ذكر أنه ضاعف
أموال الخزانة العامة ببيع المناصب، وترقية أشد الموظفين شراهة في جباية الضرائب من
الولايات ، حتى يتخموا جيوبهم بالمال حين يعزلهم فجاءه ، ثم يفحص عن أعمالهم ويصادر
ما جمعوه لأنفسهم ، على أن هذا المالي الماهر الواسع الحيلة ، لم يستخدم لنفسه شيئاً
مما جمعه ، بل إستنفذ هذا المال كله في إنعاش الحالة الاقتصادية ، وفي تجميل روما بالمنشآت العامة - وفي تقدمها - الإهتمام بإحياء التراث الثقافي الروماني القديم .
الإهتمام
بالتشييد والبناء والتعمير في عموم الإمبراطورية
جانب من أعمال
الإمبراطور فسباسيان في مجال البناء والعمران
ولعل سبباً كهذا هو
الذي حدا بهِ إلى إعادة كثير من الهياكل القديمة في الحواضر وفي بلاد الريف نفسها
، فقد أعاد بناء هيكل جوبتير ، ويونو ، ومنيرفا ، وكان جنود فيتللوس قد
أحرقوا هذه الهياكل وهدموها فوق رؤوس جنوده ، وشاد معبداً لباكس إلهة السلام
، وبدأ العمل في تشييد أشهر المباني الرومانية كلها - وهو مبنى الكوليزيوم ، وغضبت
الطبقات العليا حين رأت الضرائب تفرض على ثروتها لإقامة المنشآت للدولة وأداء
الأجور للعمال الفقراء ، كما أن العمال أنفسهم لم يحمدوا له كثيراً عمله
هذا. ومن بين أعماله الإصلاحية الأخرى ، نذكر أنه حشد الشعب لإزالة ما خلفته
الحرب الأخيرة من أنقاض ، وحَمَلَ هو نفسه أول ما حمل منها ، ولما أن عرض عليه
أحد المخترعين تصميم آلة رافعة تقلل الحاجة إلى العمل الجثماني إلى حد كبير أبى أن
يستخدمها وقال : " إني أريد أن أطعم شعبي " ، وكان هذا
الخطر المؤقت الذي فرضه فسباسيان ، على الإختراع إعترافاً منه بمشكلة
التعطل الفنية ، وقراراً بالحيلولة دون حدوث ثورة صناعية.
وقد عَمَُ الرخاء
الأقليم إلى حد لم يكن له نظير من قبل ، فكانت ثروتها في ذلك الوقت - إذا قُدِرَت
بالنقد على الأقل ، ضعفي ما كانت عليه في عهد أغسطس قيصر ، ولذلك تحملت أعباء ما زاد من الخِراج من غير أن يصيبها ضرر ما ،
وقام الإمبراطور فسباسيان - أجريكولا Agricola الرجل
القدير ، حاكماً على بريطانيا.

ساحة الفوروم - روما
ساحة الكوليزيوم
والمسرح الروماني - روما
أحداث خراب أورشليم
ودمار هيكلها
من فرط
الثقة التي أولاها فسباسيان ، في إبنه تيطس ، والذي كان يراه
دائماً هو خير الأخيار بين قادة الجيش الروماني وقتئذٍ ، أنه أولاه أمر إخماد ثورة
اليهود التي بلغت ذروتها مع بلوغ سنة 70 م ، فأرسله على رأس جيش كبير ، ينقسم إلى
قسمين - قسم يشمل خيرة مقاتلين إسبرطة ، وقسم آخر يشمل خيرة مقاتلي الجيش الروماني
، فإنطلق القسمان بكل ما يدعمهم من عَتَاد وسلاح صوب أورشليم ، وكان الحصار الذي
قد إستمر لأكثر من ثلاثة أشهر ، إنتهي بسقوط حصن أنطونيا ، وبالجُملة - إنفتاح
الأبواب أمام الرومان للدخول ، فنالوا من اليهود ، فقتلوا منهم ما قتلوا ،
وإقتادوا الباقين كأسرى ، وبيع البعض الآخر كعبيد ، وتم إحراق قصر سليمان الحكيم ،
ومن ثم إحراق الهيكل العظيم ، وبالجملة ، إهلاك كل أورشليم ، فلم يكن فيها حجر على
حجر إلا ودُمِرَِ تماماً ، ولم يبقي في أورشليم ـ إلا قلعة ماسادا الحصينة الذي ظل
صامداً لأكثر من ثلاث سنوات [ 70 م - 73 م ] ، وكان بداخله عدد قليل من اليهود
الناجين من خراب أورشليم .
وقائع خراب
أورشليم ودمار هيكلها
( قلعة الماسادا )
والتي تعتبر
إسطورة في تاريخ اليهود القديم لصمودها أمام الرومان لأكثر من ثلاث سنوات بعد
أحداث خراب أورشليم في سنة 70 م
أهم الأحداث المُعاصرة
لحكم الإمبراطور فسباسيان
بدأ فسباسيان بعد ذلك ، بإرجاع الدولة وتمويلاتها ، وكان مثالاً للمعيشة المقتصدة مقارنة مع حياة نيرون ، إبنه تيطس ، الذي تركت له مهمة تنفيذ الحرب اليهودية ، دمر القدس ، وعاد إلى روما ليحتفل بالنصر مع أبيه ، لإحياء عصر سلام ، والذي دام لمدة قرن واحد، بدأ فسباسيان بإغلاق بوابة معبد جانوس ، وقام ببناء معبد السلام ، كما قام بنصب كولوسيوم أيضاً.
ولعل من أبرز الأحداث الخارجية في عهد فسبازيان كانت ثورة باتافي ، وحملات وإدارة أگريكولا في بريطانيا.
ثم بدأ فسباسيان بعد ذلك ، بإرجاع الدولة وتمويلاتها ، وكان مثالاً للمعيشة المقتصدة مقارنة مع حياة نيرون ، إبنه تيطس ، الذي تركت له مهمة تنفيذ الحرب اليهودية ، دمر القدس ، وعاد إلى روما ليحتفل بالنصر مع أبيه ، لإحياء عصر سلام ، والذي دام لمدة قرن واحد ، بدأ فسباسيان بإغلاق بوابة معبد جانوس ، وقام ببناء معبد السلام ، كما قام بنصب كولوسيوم أيضاً ، ولعل من أبرز الأحداث الخارجية في عهد فسباسيان ، كانت ثورة باتافي ، وحملات وإدارة أگريكولا في بريطانيا.
إفتتان الإمبراطور
فسباسيان باليهوديات
لقد تباهي الإمبراطور فسباسيان ، بإنتصار ولده ، ولكنه
ساءه وأقلق باله أن رأى تيتس يأتي معه بأميرة يهودية جميلة تدعى برنيقه Berenice ، لكي تكون خليلة له ، ويرغب
أن يتزوجها ، وفي هذه المرة أيضاً حمل الآسر معه آسرة.
ولم يكن الإمبراطور فسباسيان يرى
سبباً يدعو لأن يتزوج اٌلإنسان خليلته ، وقد ظل هو نفسه بعد وفاة زوجته يعيش مع
جارية معتوقة ، ولم يعن قط بأن يعقد عليها ، ولما ماتت كئينس هذه وزع قلبه بين عدة
محظيات ، وكان قوي الإعتقاد بأنه يجب أن يستقر على رأي في وراثة العرش قبل
وفاته ، لأن هذه هي السبيل الوحيدة لمَنع الفوضى ، ووافقه مجلس الشيوخ على هذا الرأي ،
ولكنه طلب إليه أن يختار " تيطس - خير الأخيار " ، ويتبناه - ولعل المجلس ، كان يريد
منه أن يختار أحد أعضائه.
وفاة الإمبراطور
فسباسيان بمرض غريب
لقد جاءت وفاة
الإمبراطور فسباسيان في عام 79 م ، وكان السبب في وفاته ، إصابته بمرض غريب جداً ، حيث
تقول بعض الروايات المتواترة في هذا السياق ، أن فسباسبان كان أفرط في الشرب من
ماء بحيرة كوتليا Cutelia ، وذلك أثناء وجودة في الإقليم السبيني ، مما
أصابه بإسهال شديد ، وظل وهو طريح الفراش يستقبل الرسل ، ويؤدي واجبات منصبه.
ولقد إحتفظ إلى آخر لحظة
بفكاهته السمجة رغم علمه بأنه قاب قوسين أو أدنى من الموت – فقال جملته المشهورة : " و أسفاه .
أظن أني صائر إلى أن أكون إلهاً ، " ووقف على قدميه وهو
يكاد أن يُغمى عليهِ ، وأعانه على ذلك بعض أتباعه وقال: "إن الإمبراطور يجب أن
يموت واقفاً ".
وبهذا - ختم الإمبراطور العظيم في تاريخ الأباطرة " فسباسيان " - سجل تاريخ حياة كاملة ، بلغت التاسعة والستين عاماً ، وإختتمها بحكم صالح ، أدار فيه شئون الإمبراطورية بإقتدار ، على مدى عشر أعوام .
إرسال تعليق