تابع : تاريخ مصر في عصور الإحتلال
ثالثاً - تابع : الإحتلال الإسلامي لمصر
الدولة الطولونية
مقدمة عن تاريخ الأتراك
السُلالة الأصلية للدولة الطولونية
وقام جدالٌ طويلٌ بين طرفيّ النزاع ، وإنتصر لِكُلِّ فريقٍ أبناؤه من الشُعراء والمُؤلفين والساسة ، وهذا الإنشقاق بين رعايا الدولة أدَّى إلى ولادة أولى الحركات الإنفصاليَّة عن الدولة العبَّاسيَّة، بِقيادة القائد العسكري طاهر بن الحُسين الذي أنشأ الدولة الطاهريَّة في خُراسان سنة 821م.
ولكن هذا الإتساع في المساحة ، بدلًا من أن يكون عامل قُوَّةٍ في كيان الدولة، انقلب إلى عامل ضعفٍ ، فساعد على تفسُّخها وتفكُّكها ، ذلك أنَّ بُعد المسافة بين أجزاء الدولة وبين عاصمتها ، وصُعوبة المُواصلات في ذلك الزمن ، جعلا الوُلاة في البلاد النائية يتجاوزون سُلطاتهم ، ويستقلُّون بِشُؤون ولاياتهم ، دون أن يخشوا الجُيوش القادمة من عاصمة الخِلافة لِإخماد حركاتهم الإنفصاليَّة ، والتي لم تكن تصل إلَّا بعد فوات الأوان .
وساعد ضُعف الخُلفاء العوامل السَّابقة على أن تبرز وتقوى وتعمل عملها في إضعاف الدولة، فاستغلَّ الوُلاة هذا الضعف ، وقد بلغ الأمر ببعضهم أن أقاموا في بغداد وأوفدوا نُوَّابًا عنهم لِإدارة ولاياتهم ، ولم يلبث هؤلاء النُوَّاب أن تطلَّعوا إلى الإستقلال بِهذه الولايات، وجعلوا مناصبهم وراثيَّة في أبنائهم ، وهكذا نشأت دُويلات لا يربطها بالخِلافة العبَّاسيَّة إلَّا تبعيَّة اسميَّة.
وبعد سُقوط الدولة الأُمويَّة ، وقيام الدولة العبَّاسيَّة على أنقاضها ، وإستقرار دعائمها في عهد أبي جعفر المنصور ، برز عددٌ من الشخصيَّات التُركيَّة الذين كان عددهم يزدادُ شيءًا فشيءًا بِتوافُدهم على دار الخِلافة ، فاستخدمهم الخُلفاء العبَّاسيّون في العصر العبَّاسي الأوَّل في قُصورهم وإئتمنوهم على أسرارهم ، وأسندوا إليهم أمر سلامتهم الشخصيَّة.
وكان أبو جعفر المنصور أوَّل خليفةٍ عبَّاسيّ إتخذ التُرك بطانة ومُوظفين، فقرَّب حمَّادًا التُركي ووثق به ، وجعلهُ من خاصَّته وأُمناء سرِّه ، وبلغت ثقته به حدًا أنَّهُ كان لا يأمن أحدًا على أسرار سجلَّات الدولة غيره، وكان يُصرُّ المفتاح في كُمِّ قميصه.
ونفر أبو جعفر المنصور من إستخدام العرب في قُصوره ، ولم يرضَ بأن يعمل في خدمة قصره أو حرمه ، أحدٌ من العرب ، وفضَّل عليهم عناصر أُخرى كالتُرك ، وهو أوَّل من ولَّاهم الحجابة ، فإختار حمَّادًا التُركي حاجبًا له ، بعد أن توطدت دعائم الدولة ، كما ولَّاهُ السَّواد.
وضمَّت حاشية الرشيد بعض التُرك ، واستخدم الجواري من فرغانة وإشروسنة وغيرهما ، وأضحى بعضهُنَّ مُحظيات ، مثل ماردة بنت شبيب ، أُم المُعتصم ، التي تُعد من أحظى النساء لدى الرشيد ، وهي تُركيَّة.
وقد حمٌلت هذه المُعطيات - الخليفة المُعتصم - على أن يُوكِّل أمر سلامته الشخصيَّة إلى فرقةٍ من العُنصر التُركي، لا سيَّما أنَّ طباع هؤلاء النفسيَّة والجسديَّة تتوافق مع مُهتمهم. وأضحى لِهذا العُنصر أثرٌ كبيرٌ في الحياة السياسيَّة والاجتماعيَّة، وأصبح الحرسُ التُركيّ دعامةً من دعائم الخلافة أيَّام حُكمه ، من واقع الحِفاظ على دولته والإبقاء على خِلافته في ظل الصراع العربي - الفارسي ، فإستخدم التُرك في الجيش على نطاقٍ واسعٍ وجعلهم تحت إمرة قادة منهم ، مُسددًا بِذلك ضربة عنيفة لِلقادة والجُند العرب، ولِسياسة أبي جعفر المنصور التقليديَّة ، و التي كانت تستهدف حفظ التوازن في الجيش بين الفرق العربيَّة والفرق الأعجميَّة ، وأسكن المُعتصم التُرك مدينة سامرَّاء التي بناها خصيصًا لهم.
ومُنذُ عهد المُعتصم أخذت تظهر على مسرح الحياة السياسيَّة شخصيَّاتٌ تُركيَّة أدَّت دورًا كبيرًا في الحياة العامَّة ، أبرزها الأفشين وأشناس وإيتاخ ووصيف وسيما الدمشقي ، وقد خدموا الدولة ، وساندوها في حُروبها الداخليَّة ضدَّ الحركات المُناهضة التي نشبت في أجزائها المُختلفة، وفي حُروبها الخارجيَّة ضدَّ الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة.
ومع مُرور الزمن أخذ هؤلاء التُرك يتجهون إلى تكوين كيانٍ خاصٍ بهم سواء في كنف الخِلافة أو مُنفصلًا عنها ، كما طمع بعضهم في الاستئثار بِشُؤون الحُكم في العاصمة حين أدركوا أنَّ الخِلافة لا يُمكنها الاستغناء عن خدماتهم. وتُعدُّ خِلافة أبو جعفر هٰرون الواثق بالله مرحلة انتقالٍ بين عهدين : الأوَّل هو عهد سيطرة التُرك على مُقدرات الدولة مع بقاء هيبة الخِلافة ، والثاني هو عهد سيطرة التُرك مع زوال هيبة الخِلافة وهُبوط مكانة الخُلفاء.
وقد ثبَّت التُرك في عهد الواثق أقدامهم في الحُكم ، وحصل رُؤساؤهم على نُفوذٍ كبيرٍ حتَّى اضطرَّ الخليفة أن يخلع على أشناس لقب «السُلطان» ، مُعترفًا لهُ بِحُقوقٍ تتجاوز نطاق المهام العسكريَّة ، فكان بِذلك أوَّل خليفةٍ استخلف سُلطانًا، وأسند إليه أعمال الجزيرة الفُراتيَّة والشَّام ومصر، كما عهد إلى إيتاخ بِولاية خُراسان والسند وكُور دجلة. نتيجةً لِهذا التوسُّع في الصلاحيَّات إزداد نُفوذ التُرك داخل العراق وخارجه، فهيمنوا على دار الخِلافة ، وأحكموا سيطرتهم الفعليَّة على كافَّة أقاليمها، ثُمَّ خطوا خُطوة أُخرى حين اعتقدوا أنَّهُ لا بُدَّ من السيطرة على شخص الخليفة حتَّى يستمر سُلطانهم بوصفه مصدر هذا السُلطان، فأحاطوا به يُراقبون تحرُّكاته، ويُشاركون في المُناقشات السياسيَّة، ومن أجل ذلك، لم يذهبوا إلى ولاياتهم، وأنابوا فيها عُمَّالًا عنهم. وقد شكَّل هذا التدبير خُطوةً سياسيَّةً على طريق انفصال الولايات عن الإدارة المركزيَّة، إذ طمع الوكلاء بِولاياتهم، واستقلَّوا بها مُنتهزين فُرصة ضعف السُلطة المركزيَّة، وعدم معرفة الخليفة بما يجري في الولايات لاطمئنانه إلى من ولَّاهم من التُرك.
هذا - وقد قامت الدولة الطُولونيَّة ، في خِلال زمن تعاظم قُوَّة التُرك في الدولة العبَّاسيَّة وسيطرة الحرس التُركي على مقاليد الأُمور، وهو ذاته العصر الذي كان يشهد نُموًا في النزعة الشُعوبيَّة ، وتغلُّب نزعة الإنفصال على شُعوب ، ووُلاة الدولة مُترامية الأطراف ، فكان قيام الدولة الطولونيَّة إحدى النتائج الحتميَّة لِتنامي هذا الفكر.
وكان يتخلَّص من سُلطة الوالي الأصيل بِإغرائه بالمال والهدايا التي كان يُرسلها إليه. وعندما طلب إليه الخليفة أبو إسحٰق مُحمَّد المُهتدي بالله أن يتولَّى إخضاع عامل فلسطين المُتمرِّد على الدولة، سنحت لهُ الفُرصة التي كان ينتظرُها ، فقد أنشأ ابن طولون جيشًا كبيرًا من المماليك التُرك والرُّوم والزُنوج ودعم حُكمه به.
وقد أخذ من الجُند والنَّاس البيعة لِنفسه على أن يُعادوا من عاداه ويُوالوا من والاه. وبِفضل هذا الجيش إستطاع أن يقضي على الفتن الداخليَّة التي قامت ضدَّه ، واستطاع أن يرفض طلب وليُ عهد الخليفة أبا أحمدٍ طلحة بن جعفر المُوفَّق بالله الذي كان يستعجله إرسال المال لِيستعين به على القضاء على ثورة الزُنج بالبصرة.
ومُنذُ ذلك الوقت أصبحت دولة إبن طولون مُستقلَّة سياسيًّا عن الخِلافة العبَّاسيَّة. وعندما طلب الخليفة إلى إبن طولون أن يتخلَّى عن منصبه إلى « أماجور » والي الشَّام ، رفض إبن طولون ذلك ، وتوجَّه إلى الشَّام وضمَّها إلى مصر.
ثم شرع أحمد بن طولون بعد ذلك في القيام بِأعمالٍ عُمرانيَّة تُعبِّرُ عن مدى اهتمامه الشديد بِمصر ، وتعكس تطلُّعاته إلى إقامة إمارته الخاصَّة ، فأسس ضاحيةً لِلفسطاط هي القطائع إتخذها عاصمةً لِإمارته ، وبنى فيها مسجده المشهور ، وقوَّى الجبهة الدَّاخليَّة من خِلال تنمية موارد الثروة ، ومُضاعفة الدخل في ميادين الإنتاج ، وأصلح أقنية الري، والسُدود الخرِبة. وبعد وفاة ابن طولون جاء إبنه خُمارويه الذي لم تُفلح دولة الخِلافة في أن تُزيح حُكمه عن الشَّام ، فإضطرَّت إلى أن تعقد معهُ مُعاهدة صُلح ضمنت للدولة الطولونيَّة حُكم مصر والشَّام مُقابل جزية تؤديها. وبعد خُمارويه الذي مات اغتيالًا في دمشق، تولَّى الحُكم ولداه أبو العساكر جيش ثُمَّ هٰرون. ولم يكن هٰرون قادرًا على مُقاومة هجمات القرامطة الذين أخذوا يُغيرون على المُدن الشَّاميَّة، فاضطرَّ الخليفة أبو أحمد علي المُكتفي بِالله إلى أن يُنقذ دمشق من القرامطة بِجُيوشٍ يُرسلها من العراق. وكان انتصار المُكتفي على القرامطة تجربةً ناجحةً دفعتهُ إلى أن يتخلَّص من الحُكم الطولوني العاجز، فوجَّه قُوَّاته البحريَّة والبريَّة إلى مصر، فدخلت الفسطاط ، وأزالت الحُكم الطولوني الذي دام 37 سنة، وأعادت مصر إلى كَنَف الدولة العبَّاسيَّة.
وقد ظهرت هذه النزعة في الدولة العبَّاسيَّة لِأسبابٍ كثيرة أبرزها التنوع العرقي في الدولة العبَّاسيَّة مُتناثرة الأطراف، واستخدام الخُلفاء العبَّاسيين للعجم في قُصورهم وفي أجهزة الدولة.
يتبع في الفصول القادمة مزيد من التفاصيل حول تاريخ مصر في العصر الطولوني













إرسال تعليق