سلسلة دراسات في تاريخ مصر في العصر الروماني
[ القرن الرابع
الميلادي ]
أولاً - مقدمة عن الرهبنة
إن التقليد
الشرقي ، لايُميز أبدًا بين عقيدة الكنيسة واللاهوت النظري من جهة، والخبرة الشخصية
والأخلاقية من جهة أخرى ، ويتضح هذا في مقولة لاهوتي أرثوذكسي من القرن المنصرم ، إسمه فيلاريت ، يقول : " ما من سر من أسرار حكمة الله الخفية ينبغي أن
يبدو لنا غريبًا أو متساميًا بالكلية ، بل علينا ، بكل تواضع، أن نُكيف ذهننا على
تأمل الإلهيات " .
أو بمعنى آخر ، إن الأسرار الإلهية ، واللاهوت هي حقيقة نتعلمها على
أنها سرّ ، إلى أن تتجلى في واقع حياتنا المُعاش ، فاللاهوت ، والتصوف غير مُتعارضين ،
إنما مُتكاملين ، ولا غنى لأحدهم عن الآخر.
ولأجل هذا ، نجد الكنيسة اعطت لقب لاهوتي لإثنين فقط في كل
تاريخها ، هما القديس يوحنا الإنجيلي اللاهوتي ، والقديس غريغوريوس النيزينزي ، والإثنين
يتميز منهجهما بالتصوف ، وتضيف لهم الكنيسة اليونانية سمعان اللاهوتي الحديث ، وهو
أيضًا كان راهب متصوف ـ فالصوفية في الفكر المسيحي هي كمال كل لاهوت وقمته.
ـ هذا - ويختلف الفكر المسيحي عن الفكر الغنوصي ، لأن المنهج
الغنوصي ينشد المعرفة في ذاتها ، ويضع الخلاص في الوصول للمعرفة، وحتى المسيح في
الفكر الغنوصي هو المُخلص لأنه أتى بالمعرفة الكاملة.. أما في المسيحية، فالمعرفة
هي عامل في خدمة غاية أسمى ونهائية، وهي الاتحاد بالله، أو الذي يسميه الآباء
اليونان الثيئوسيس أو التأله.
هذا المفهوم ، والذي هو الإتحاد بالله ، أو فكرة الثيئوسيس أو
التَأَله ، هو الذي دافعت عنه الكنيسة على مر عصورها ضد الهرطقات ، فالكنيسة حاربت
الغنوصية لأنها ترفض تكوين علاقة شركة بين الإنسان والله، وحاربت الأريوسية لأنها
تقول إننا اتحدنا بمخلوق متأله وليس الله الحقيقي ، وحاربت النسطورية لأنها ترفض
الشركة الحقيقية مع الله، وتقول أننا لم نتحد بالله، لإن المسيح نفسه متحدًا
بالله، إنما كان الله يحل فيه حلول مؤقت، مش حلول جوهري وحقيقي.
ولقد كان الرهبان ، عاملاً قوياً في خلق الصراعات الكنسية ، مثل
الأنبا أنطونيوس في مرحلة الصراع الأريوسي ، عندما نزل إلى الإسكندرية في غياب
الأسقف أثناسيوس ليشدد من عزم الشعب .
وأيضاً في عصر الأنبا شنودة رئيس المتوحدين ، قام
الرهبان بهدم كتير من المعابد الوثنية - الصراع حول أوريجينوس والصراع بين الإخوة
الطوال وروفينوس وجيروم وغيرهم- الصراع حول شخص المسيح وتدخل الرهبان بلا نوم
مثلاً.
لأجل كل
ما قيل فهناك أهمية كبيرة للتعرف على تاريخ الروحانية المسيحية، أو تاريخ الرهبنة،
إذ كيف يُمكننا أن نتعلم طريق حياة الكمال المسيحية، تلك الحياة المماثلة لعقيدتها
النظرية، دون النظر إلى “مُعلمي الحياة الروحية” كما يدعوهم اللاهوتي الأرثوذكسي
فلاديمير لوسكي.
أسباب انتشار الحركة النسكية في العالم المسيحي منذ
القرن الأول
أولاً - إضطهاد الكنيسة المسيحية
يجب أن نعترف أنه من الأسباب الرئيسية ، التي أدت إلى إزدياد أعداد
النُسّاك والرهبان ، وساكنوا الكهوف والمغائر في البراري القاحلة ، والصحارى النائية ، كانت حالات الإضطهاد المريرة التي مرت بها الكنيسة الأولى من الرومان
واليهود على السواء، فهرب بعض الناس إلى الصحاري والبراري كي يستطيعون من التعبد
لإلههم في هدوء وسكينة بعيدًا عن اضطرابات العالم.
في هذا الصدد - كتب
هنري شادويك عن هذه الفترة يقول :
" الإنعزال عن الجمال الباطل كان أيسر على من يتوقعون قرب
نهاية العالم ممن يظنون أن الزمن مستمر وممن لهم من المتاع ما يورِّثونه لأطفالهم.
عارض القديس بولس ، إمتناع أهل كورنثوس عن الزواج ، إعتماداً على فكرة ثنائية المادة
والروح الغنوصية ، لكن على أساس أن الوقت مقصر سمح لمن لهم زوجات أن يسلكوا كمن ليس
لهم. وعندما بات واضحاً أن الوقت ليس مقصراً بالدرجة التي كان يظنها الرسول ، إلا
أن مشاعر الشهيد ظلت حية في القلوب نتيجة عدم استقرار الحياة تحت نير الإضطهادات
وإدراك أن الصلاح الحقيقي ليس موجود في متع هذا العالم " .
ثانياً - الإتجاه الإسخاتولوجي للكنيسة المسيحية المبكرة
من الأمور المعروفة تاريخياً عن الكنيسة الأولى ، أنها كانت تؤمن بمجيء الرب خلال الجيل الذي يحيون فيه، وأنهم سوف
يشاهدون الرب بأعينهم قادمًا على السحاب، وعلى ذلك فكان الترك الفعلي لحياة العالم
أمرًا طبيعيًا.
ثالثاً - النصوص
الإنجيلية الكثيرة التي يزخر بها العهد الجديد
لقد عرفت
مصر أشكال كثيرة وأساليب مختلفة من حياة النِسك والرهبنة ، وذلك قبل أن تنتشر الرهبنة في البرية الشرقية في منتصف القرن الرابع الميلادي ، وتصبح طبيعة حياة معروفة بإسم : " الرهبنة " على يد القديس الأنبا بولا المعروف بأول
السواح ، والقديس الأنبا أنطونيوس - أول الرهبان .
فقد
عُرفت أشكال من الرهبنة الأولى في بقاع متفرقة من صحراء مصر ، ولعل أول من سلك في
حياة الرهبنة ، وسكن المغائر ، وعاش في البراري ، هو القديس " فرونتينوس
" ، والذي ظهر في القرن الثاني الميلادي .
إذا كانت
الرهبنة قد إرتبطت فى الأذهان بالمسيحية ، فإن المسيحيين يربطون الرهبنة بالأنبا
أنطونيوس الملقب بأبو الرهبان ، والذى يعتبره المؤرخون أول راهب فى التاريخ رغم من
سبقوه إلى التعبد فى الصحارى ونذر أرواحهم إلى الله ، ولكن القديس الذى عاش فى القرن
الثالث الميلادى ، قد مثل بحق أول راهب بالمعنى المعروف اليوم رغم التحولات التى
طرأت على الرهبنة من عصر إلى عصر ، إلا أن جوهر الرهبنة المسيحية هو الذى وضعه
الأنبا أنطونيوس وتلاميذه فى البرية الشرقية بجبل القلالى قرب البحر الأحمر ، ومن
هناك إنتقلت حركة الرهبنة إلى العالم كله فى القرون التالية فصار القديس ـ يتسمى
بأسماء أجنبية لا تمحى اسمه الأصلى ، مثل سان انطونى أو أنطونيو ، كل ينطقه حسب لغته
ولهجته.
وككل
القديسين، يروى "السنكسار" أو كتاب سير القديسين القبطى الأنبا أنطونيوس
إذ يربطها بالكثير من القصص الغرائبية والمعجزات ـ وهى القصص التى لا يمكن الإستدلال
من صحتها ، ولكنها تحظى بإعتراف الكنيسة منذ قرون ، حيث يخضع التاريخ المسيحى
لمرجعين الأول يدونه المؤرخون الذين عاصروا الحدث ، والثانى يكتبه أحد رجال الكنيسة
أو الإكليروس ، وهو الذى يحظى باعتراف الكنيسة ويتسق مع تعاليمها وتصوراتها عن تلك
الفترة بشكل كبير.
بداية الرهبنة الأولى
للقديس
الأنبا أنطونيوس قصة يرويها السنكسار القبطى وهى أنه ولد فى بلدة تسمى قمن العروس
تتبع محافظة بنى سويف حاليا، وذلك فى العام 251 م تقريبًا من والدين غنيين ، مات
والده فوقف أمام الجثمان يتأمل زوال هذا العالم ، وهى اللحظة التى غيرت حياته فيما
بعد ، حتى إذ دخل ذات يوم الكنيسة سمع الإنجيل يقول : " إن أردت أن تكون كاملًا
اذهب وبع كل مالك ووزعه على الفقراء ، وتعال إتبعنى" ، فشعر أنها رسالة شخصية
تمس حياته ، بعدها عاد "أنطونيوس" إلى أخته الشابة ديوس يعلن لها رغبته فى
بيع نصيبه ، وتوزيعه على الفقراء ليتفرغ للعبادة بزهد.
ووفقا
للرواية القبطية ، فإن الشاب أنطونيوس قد سكن بجوار النيل، وكان يقضى كل وقته فى
الصلوات بنسك شديد ، لكن إذ هاجمته أفكار الملل والضجر أخذ يصرخ إلى الله، فظهر له
ملاك على شكل إنسان يلبس رداءً طويلًا متوشحًا بملابس تشبه ملابس الرهبان الأوائل
ويضع على رأسه قلنسوة، وكان يجلس يضفر الخوص ، وقال الملاك له أفعل مثل هذا وسوف
تستريح، فيصبح بعد ذلك هذا الزى زيًا للرهبان ، ويتقرر أن عمل اليد من أساسيات
الرهبنة.
فى أحد
الأيام نزلت سيدة إلى النهر لتغسل رجليها هى وجواريها ، وإذ حَول القديس نظره عنهن
منتظرًا خروجهن بدأن فى الإستحمام ، ولما عاتبها على هذا التصرف، أجابته: "لو
كنت راهبًا لسكنت البرية الداخلية ، لأن هذا المكان لا يصلح لسكنى الرهبان " ، وإذ سمع القديس هذه الكلمات قال فى نفسه : " إنه صوت ملاك الرب يوبخنى " ،
وفى الحال ترك الموضع ، وهرب إلى البرية الداخلية وتقصد مغارات الصحراء ، وكان ذلك
حوالى عام 285 م .
بعدها إستقر القديس الأنبا أنطونيوس بأحد مغارات الجبل ، يعيش حياة الوحدة إذ يعبد الله منفردًا ، ولا يكلم
أنسيًا ، حتى إذا جاء عام 305م فإلتقى بتلاميذ ، جاءوا إليه يشتاقون إلى التدرب على
يديه ، فكان يعينهم ويرشدهم ، وإن كان قد عاد إلى وحدته مرة أخرى.
يشرح
القديس الأنبا أثناسيوس الرسولى فى كتابه الشهير عن سيرة الأنبا أنطونيوس الأسباب
التى جعلت الكنيسة تعتبر الأنبا أنطونيوس أبًا للرهبان ، إذ تعتبره مؤسس نظام رهبنة
الوحدة التى تختلف عن نظام رهبانى أخر يسمى رهبنته الشركة الذى يتجمع فيه مجموعة
من الرهبان للتشارك فى العبادة حيث كان للأنبا باخوميوس فضل تأسيس هذا النظام فى
الصعيد.
وأكد
كتاب سيرة الأنبا انطونيوس ، على أنه خرج للرهبنة بلا هدف كهنوتى فلم يكن يرغب فى إعتلاء منصب فى الكنيسة ، ولم يتدخل فى نظامها حتى أن الامبراطور قسطنطين حين أرسل
إليه رسالة يطلب بركته، تأخر فى الرد عليه لأنه كان مشغولًا بالعبادة.
يشير
الكتاب إلى أن الأنبا أنطونيوس ورغم حبه الشديد لحياة الوحدة ولكنه لم يغلق بابه
أمام الراغبين فى التتلمذ على يديه، فهو يعيش منفردًا ولكن كل ذلك من أجل العبادة
والكنيسة ، فخرج من بين تلاميذه الأنبا مكاريوس الذى أسس نظامًا رهبانيًا مختلفًا
هو نظام الجماعات ، وفرح بتأسيس الأنبا باخوميوس نظامًا ثالثًا فى الرهبنة هو نظام
الشركة ، فلم يكن متعصبًا لطريقه الذى اختاره.
وللأنبا
انطونيوس ، دير كبير فى صحراء البحر الأحمر حيث يحتفل بعيد القديس فى ديره الشاهق
فوق الجبل ، وفى مغارته المرتفعة عن الأرض ويمكن الوصول إليها عبر سلالم بنيت فى
مدق بالجبل، يصعد محبو القديس لها، يتكبدون مشقة الصعود حوالى 45 دقيقة تربط الأرض
بالجبل، وتصل أهل الأرض بأهل السماء، حتى تصل إلى قلب المغارة فتمر منحنى الظهر
تعد نفسك بالبركة حتى تصل للمغارة التى صارت كنيسة ولا يتعدٍ طولها 5 أمتار، يصلى فيها الرهبان أحيانا بضوء الشموع.
إرسال تعليق