تابع : تاريخ مصر في عصور
الإحتلال
ثانياً – مصر في العصر
الروماني
69 - الإمبراطور جستينيان الأول - Justinian
I
مقدمة
هو الإمبراطور : فلاڤبوس پتروس يوستيانوس الأول -I Justinian
Justinian
ولد في
سنة 483 م .
إرتقي عرش الإمبراطورية في الفترة من سنة 527م ، وحتي سنة 565م.
إشتهر الإمبراطور " جستنيان الأول " بإصلاحه
الرمز القانوني خلال لجنة تريبونيان، والتوسع العسكري لأرض الإمبراطورية أثناء
عهده، وزواجه وشراكته مع الإمبراطورة ثيودورا.
ويعرف أيضاً بإسم " الإمبراطور
الروماني الأخير ".
ويُعتبر قديساً في الكنيسة الأرثوذوكسية ، ويُحيى في الرابع
عشر من نوفمبر. وقد تولي الحكم بعد وفاة عمه الإمبراطور " جستن الأول " .
المولد والنشأة الأولى
ولد الإمبراطور الإمبراطور جستنيان الأول في عام 482 م - من أبوين
مزارعين من أصل إليرى - أو لعله صقلبي - يقيمان بالقرب من سرديكا Sardica ، وهي مدينة صوفيا الحالية ، وجاء به عمه جستين الى
القسطنطينية ، ورباه تربية صالحة.
ولما أصبح جستنيان ضابطاً في الجيش ، ولبث تسع سنين
ياوراً ومساعداً لجستين عمه ، أظهر في عمله براعة عظيمة.
إرتقاء عرش الإمبراطورية الرومانية
ولما مات عمه 527 م - خلفه على
عرش الإمبراطورية ، وكان وقتئذٍ في الخامسة والأربعين من عمره ، متوسط القامة
والبنية ، حليق الذقن ، متورد الوجه، متجعد الشعر، رقيق الحاشية ، تعلو ثغره إبتسامة
تكفي لأن تخفي وراءها ما لا يحصى من الأغراض ، وكان متقشفاً في طعامه وشرابه تقشف
الزهاد ، لا يأكل إلا قليلاً ، ويعيش معظم أيامه على الخضر ، وكثراً ما كان يصوم حتى
تكاد تخور قواه.
وكان في أثناء صيامه لا ينقطع ، عما إعتاده من الإستيقاظ مبكراً ،
وتصريف شئون الدولة " من مطلع الفجر إلى الظهيرة ، وإلى غسق الليل " ،
وكثيراً ما كان يظن أعوانه أنه قد آوى إلى مَضٌجعه ، بينما كان هو منهكماً في الدرس ،
يبذل جهده ليكون موسيقياً ومهندساً ومعمارياً ، وشاعراً ومشترعاً ، وفقيهاً في
الدين وفيلسوف ، وإمبراطوراً يجيد تصريف شئون الإمبراطورية ، ولكنه رغم هذا كله لم
يتخل عن خرافات عصره.
كان الإمبراطور جستنيان الأول - ذا عقل نشيط على الدوام ، عظيم الإلمام بالشؤون الكبرى
والتفاصيل الصغرى ، ولم يكن قوي الجسم أو شُجاعاً ، وقد حدثته نفسه بالتخلي عن الملك
في أثناء المتاعب التي قامت في بداية حكمه ولم ينزل قط إلى الميدان في حروبه
الكثيرة.
المميزات والعيوب الشخصية
لعل من عيوبه الناشئة من دماثة خلقه ورٍقة طبعه ، أن كان
من السهل على أصدقائه أن يؤثروا فيه ومن أجل هذا كان كثيراً ما يتقلب في سياسته ، ويخضع في أحكامه لزوجته.
لقد خص المؤرخ پروكبيوس جستنيان الأول بمجلد كامل من تاريخه ، يصفه بأنه
" عديم الإخلاص ، مُخادع ، مُنافق ، يخفي عن الناس غضبه ، يظهر غير ما يبطن، حاذق ،
قادر كل المقدرة على التظاهر بالرأي الذي يدعي أنه يعتنقه ، بل إنه يستطيع في كثير
من الأحيان أن يذرف الدمع من عينيه إذا اقتضت الظروف ذلك".
وغير هذا كله يصح
أن يكون وصفاً للدبلوماسي القدير ، ويلوح أنه كان يتصف بهذا كله في بعض الأوقات ، ولكنه كان يستطيع أن يكون رحيماً كريماً.
ومن ذلك أن قائداً يدعى بروبوس Probus قد اتهم بسبه ، فجئ به ليحاكم بتهمة الخيانة، ولما عرض
التقرير الذي وضع عن محاكمته على جستنيان قام من مقعده وأرسل رسالة إلى بروبوس
يقول فيها : " إني أغفر لك ما ارتكبته من ذنب في حقي، وأدعو الله أيضاً أن
يسامحك " .
وكان يقبل النقد الصريح ولا يغضب منه " وكان هذا الرجل
الظالم " ، الذي رزئ بمؤرخه " أسهل منالاً من أي إنسان آخر في العالم ، وكان
أحقر الناس في الدولة ، ومن لا شأن لهم فيها على الإطلاق ، يستطيعون كلما شاءوا أن
يأتوا إليه ليتحدثوا معه " .
مع كل ما تحمل شخصية جستنيان الأول من مميزات وما يشوبها
من عيوب ، فقد عمل على أن يجعل ما كان يقام في بلاط الإمبراطور من مراسيم وحفلات
غاية في الأبهة والفخامة، حتى فاقت ما كان يحدث منها في أيام دقلديانوس و قسطنطين.
وكان كنابليون ، يعوزه التأييد الذي يناله المليك الشرعي، وذلك لأنه ورث الملك من
مُغتصب له.
ولم يكن مهيباً في مظهره ومنشئه ، ومن أجل هذا عمد إلى طقوس ومراسيم تبعث
الرعب في القلوب كلما ظهر أمام الجماهير أو السفراْء الأجانب. ولهذا السبب عينه
شجع فكرة الملكية المقدسة ، واستخدم لفظ مقدس في وصف شخصه وملكه؛ وكان يطلب إلى من
يمثلون أمامه أن يركعوا ويقبلوا أطراف ثوبه الأرجواني، أو أصابع قدميه من فوق
حذاءيه . وعمل على أن يعمده ويتوجه بطريق القسطنطينية، ولبس قلادة اللؤلؤ. وقصارى
القول أنه ما من حكومة قد عملت ما عملته الحكومة البيزنطية لتنال إجلاء الشعب له
عن طريق المراسيم الفخمة ، ولقد كان لهذه السياسة أثرها إلى حد كبير ؛ ولسنا ننكر
أنه قد حدثت إنقلابات كثيرة في تاريخ البيزنطية ، ولكنها كانت في معظم الأحوال إنقلابات مفاجئة قام بها موظفو القصر، لأن الحاشية نفسها لم تكن ترهبها ما وضعته
لنفسها من مراسيم وطقوس.
أهم الأحداث المعاصرة للحكم
1- فارس تُعلن الحرب على الإمبراطورية الرومانية
عندما تولي جستنيان مقاليد الحكم ، لم تكن الامبراطورية قد
تغلبت علي الأزمات الكبري التي تعرضت لها منذ آواخر القرن الخامس ، ففي الأشهر
الأخيرة من حكم جستن ، جدد الفرس الحرب ضد الامبراطورية ، وهكذا أصبح الجزء الاكبر من
الجيش البيزنطي منشغلا في الشرق ، وفي الداخل كانت الفوضي تعم القسطنطينية بسبب
الاضطراب في الاداء الحكومي وعدم الرضا عن الحكومة ، وزاد في الخطر وجود حزبي الزرق
والخضر ، وكانا في الاصل فرقتين رياضيتين تطورتا إلي حزيبن سياسيين في القسطنطينية.
2 - وقائع ثورة نيكا
لقد بلغ خطر هذين الحزبين أشده في ثورة نيكا سنة 532م - وهكذا
لم يكن جستنيان الثاني في مركز يمكنه من الإلتفات لمشاريعه الكبري قبل سنة 532م - أي قبل
القضاء علي الخطر الداخلي - وتلافي خطر الفرس.
وبالرغم من التنافس السابق بين
الحزبين (الخضر والزرق) فقد وحدا صفوفهما ضد جستنيان واخذ أنصارهما يعيثون في
القسطنطينية فسادا , بل وتمكنوا من التغلب علي بعض القوات الحكومية ، وقد تحرج
مركز جستنيان لدرجة أنه فكر في الفرار من القسطنطينية لولا موقف زوجته تيودورا
وجرأتاها وتشجيعها لجستنيان ورجاله لكي يصمدوا ضد الثوار ، وقد إنتهي الامر ، بتغلب
الإمبراطور علي مخاوفه التي كانت تسيطر عليه لحين ما ، فأرسل قائده الشهير بليزاريوس ، ورجاله لمواجهة الجمهور
الثائر ، وتمكن هذا القائد من إخماد الثورة بعد مقتل 30 ألف نفس.
وهكذا - نجا جستنيان الثاني من هذا الخطر الداخلي الكبير ، بل تمكن
في نفس الوقت من القضاء علي الكثير من القوي السياسية التي كانت تمارسها الأحزاب
في القسطنطينية ، وإستتب الأمر لجستنيان في عاصمته.
وفي نفس العام الذي قضي فيه علي ثورة نيكا ، عقد جستنيان الأول معاهدة مع ملك فارس تعهد الأول بمقتضاها بدفع جزية كبيرة مقابل إيقاف الحروب علي
الحدود, وهكذا تمكن جستنيان من أن يأمن جانب الفرس لفترة من الزمن وأصبحت له حرية
كبيرة لكي يمارس مشاريعه لإعادة بناء الامبراطورية.
أعماله الإصلاحية في الإمبراطورية الرومانية الغربية
لقد كان
كل إهتمام الإمبراطور جستنيان الأول هو إعادة بناء الامبراطورية الرومانية في
الغرب,,فقد كانت كل الولايات الرومانية في الغرب تحت سيطرة حكام من الجرمان ، فإن
القوط الشرقيين كانوا يحكمون ايطاليا ، والوندال في شمال افريقيا ، والقوط الغربيين
في اسبانيا ، والفرنج في غاله,والانجلوساكسونيين في انجلترا.
فتوحات الإمبراطور جستنينان الأول
أولاً
- وقائع غزو الواندال ( شمال إفريقيا )
لقد بدأ الإمبراطور جستنيان الأول بغزو الوندال في شمال إفريقيا ـ فقام بإحتلالها وضمها إلى مملكته ، وإستطاع الإستيلاء على ممتلكات شعبها في شمال افريقيا .
وكان الوندال في واقع الأصل ، عُنصراً داعماً للجرمان ، كانوا قد فقدوا الكثير من نشاطهم وقوتهم ، بسبب نزوعهم إلي
حياة الترف والخمول ، فكَرِهَ السكان المحليين لهم,وهكذا لم يجد بليزاريوس مقاومة
كبيرة ، ولم تستمر مقاومة الوندال سوي بضعة أشهر, وأختفت دولة الوندال سنة 532م ، وإستعادت الامبراطورية اقليما من الاقاليم التي ضاعت علي الدولة منذ أوئل القرن
الخامس.
ثانياً - وقائع غزو إيطاليا
لقد إستغل جستنيان الأول قتل زعماء القوط للأميرة أمالاسونثا إبنة الملك ثيودريك العظيم والوصية علي إبنها القاصر ، وكانت هذه الأميرة موالية للرومان
بسبب اعجابها بالحضارة الرومانبة ، إستغلها كذريعة لغزو ممتلكات القوط الشرقيين في
ايطاليا ، وسارت جيوش الامبراطورية البيزنطية ، وعلي رأسها بليزاريوس إلي إيطاليا ، ولم يكن القوط الشرقيين قد اضمحلوا أو حل بهم ما حل بالوندال في الأراضي
الافريقية ، ولذا وجدت الجيوش الامبراطورية من البرابرة القوط مقاومة طويلة في إيطاليا ، غير
أن تلك المقاومة ، كان لابد وأن تنتهي ، وذلك لأنها لا تستند إلي قوة ومساعدة من ناحية
السكان الذين كانوا يمقتون المذهب القوطي الأريوسي, وأخيرا سقطت رافنا عاصمة القوط
الشرقيين في سنة 54 م .
ثالثاً - غزو شبه جزيرة آيبريا ( إسبانيا )
بعد أن تمت عمليتي ضم الواندال " شمال إفريقيا " ، وضم " إيطاليا " ، إلى نفوذ العرش الروماني الحاكم ، توجهت مجهودات الامبراطور جستنيان الثاني بعد ذلك إلي إسبانيا ، حيث كان تَمَركُز بعض من جماعات برابرة القوط الغربيون ، وقد إستطاع أن يُحرز هناك إنتصاراً ساحقاً عليهم فيها ، وإستطاعت جيوش الامبراطورية أن تستعيد الجزء
الجنوبي الشرقي لأسبانيا حتي قرطبة سنة 554م. ولم تتمكن الامبراطورية من كمال
السيطرة علي كامل شبه الجزيرة الآيبيرية لانها كانت تواجه صعوبات كبيرة في إرسال
مزيد من القوات إلي نلك البلاد البعيدة.
محاولات غزو الإمبراطورية الرومانية الغربية
بعد أن
إستطاع الإمبراطور جستنيان الأول ، إحراز إنتصارات ساحقة على أعداءه في أكثر من
موقعة حربية كما سبق وأسلفنا في حديثنا عن تاريخ فتوحاته ، والتي تحقق له من
خلالها ما أراد الوصول إليه ـ ألا وهو إعادة الإمبراطورية الرومانية إلى
مجدها الأول ، بإستعادته جزئاً كبيرا ًمن
مساحتها الأولي,فإنه قد أعاد إخضاع دلماشيا وإيطاليا وكل شمال أفريقيا وجزر البحر
الأبيض في الغرب ، وهي جزر صقلية و كورسيكا وسردينيا والبليار ، لم تتركه بعض
الجبهات العدائية الأخرى المُتربصه له ، لكي ينعم كثيراً بكل ما حققه من إنتصارات
، فكان أن واجهت الإمبراطورية الرومانية عدة مخاطر تمثلت في الآتي :
أولاً - تجدد الهجمات الفارسية
لقد إستغل الفرس إنشغال الامبراطورية بحروبها ضد الوندال
والقوط ، وقاموا بمهاجمة الدولة الرومانية بكل قواهم ، فإستطاعوا الإستيلاء على مدينة لزقا علي
سواحل البحر الأسود ، ثم تقدمت جيوشهم نحو الشام حتي انطاكية ، وقد إستمرت الحرب سجالاً لمدة
من الزمان ، وقد إنتهت الحرب في سنة 562 م .
ثانياً - عودة قبائل الهون إلى نهر الدانوب
إلي جانب ذلك - تعرضت حدود الامبراطورية عند جبهة نهر
الدانوب لغارات قبائل الهون ، وفي سنة 540 م ، عاثوا فساداً في تراقيا واليريا ، وبلاد
الأغريق حتي خليج كورنثه ، وتمكنوا من شق طريقهم عنوة حتي القسطنطينية.
ثالثاً - عودة القبائل السلافية إلى مُهاجمة الإمبراطورية
كما تعرضت الإمبراطورية لغارات العناصر السلافية ، وتمكن
البيزنطيون من دفعهم بمشقة كبري وبفضل شجاعة بليزاريوس ، وإلي جانب ذلك كله ظهر
الآفار علي مسرح الحوادث مكونين خطرا آخر يعمل حسابه.
والحقيقة أن غارات الهون والسلاف لم تسفر عن تأسيس هذه
العناصر ، وإقامتها في أراضي الإمبراطورية ، لكن نتيجة لغارتها وأعمالها التخريبية
أصاب شبه جزيرة البلقان تخريب شامل ، وهكذا دفعت الإمبراطورية في الشرق ثمنا غاليا
لانتصارتها في الغرب.
جستنينان وتأمين حدود الإمبراطورية الرومانية
يُضاف إلي تلك الحروب أيضاً ، وفيما يتعلق بسياسة جستنيان الخارجية
أنه في سبيل تحقيقه لمشروع إعادة مجد الامبراطورية القديمة ، لجأ الي نشاط آخر إلي
جانب النشاط الحربي ، فقد عمل كل ما في وسعه علي أن يحقق ذلك بالطريقة الدبلوماسية
ونشر سيادة الامبراطورية بتوزيع الهبات المالة وإثارة أعدائه بعضهم ضد بعض,وقد
أدخل بذلك تحت سيادة الإمبراطورية ، عدداً من القبائل المتبربرة التي أقامت علي حدود
الامبراطورية ، وأزال خطرها هناك ، كما أنه استعمل الدعاية الدينية ، فخلق بذلك بذلك
مناطق نفوذ للامبراطورية ، وأعد البعثات والارساليات التي نشرت المسيحية في الحبشة
وسواحل البحر الأسود.
وبذلك الشكل ، فقد تمكنت الإمبراطورية من تكون لنفسها عدة
دويلات تابعة من العرب في الشام واليمن ، والبربر في شمال إفريقيا ، واللمبارديين
والهون.
إنجازات الإمبراطور جستنيان عسكرياً
في وسعنا أن نغتفر لجستنيان شغفه العظيم بالوحدة ، لأن
هذا الشغف من أعظم ما يولع به الفلاسفة ورجال الحكم على السواء ؛ ولقد إقتضاهم في
بعض الأحيان أكثر مما إقتضتهم الحرب ، ولم تكن إستعادة أفريقيا من الوندال ، وإيطاليا من القوط الشرقيين ، وأسبانيا من القوط الغربيين ، و غالة من الفرنجة ، و
بريطانيا من السكسون ؛ ولم يكن طرد البرارة إلى مرابضهم ، وإعادة الحضارة
الرومانية إلى جميع ميادينها القديمة ، ونشر الشريعة الرومانية مرة أخرى في جميع
بقاع الرجل الأبيض من الفرات إلى سور هدريان ، لم تكن هذه المطامع كلها مطامع غير نبيلة،
وإن كانت قد أنهكت المنقذين ، ومن أريد إنقاذهم على السواْء.
وكان من الوسائل التي
اتبعها جستنيان لبلوغ هذا الغرض أن أزال ما بين الكنيستين الشرقية والغربية من
نزاع حول مسألة البابوية، وكان من أكبر أمانيه أن يرد الأريوسيين واليعاقبة
وغيرهما من الخارجين على الدين إلى حظيرته، ولم يكن أحد قد فكر في هذا كله منذ
أيام قسطنطين.
ولقد كان من حسن حظ جستنيان أن وهب قادة عظماء، ومن سوء
حظه أنه كانت موارده المالية قليلة - فلقد كان شعبه غير راغب في الحروب التي كان
يريد أن يخوض غمارها ، وغير قادر على أداء ما تطلبه من نفقات ، وسرعان ما استنفذ
الثلاثمائة والعشرين ألف رطل من الذهب التي تركها أسلاف جستين في خزانة الدولة،
وإضطر بعد استنفادها أن يلجأ إلى الضرائب التي نفرت من قلوب الشعب، وإلى ضروب
الاقتصاد التي عرقلت أعمال قواده.
وكانت الخدمة العسكرية الإجبارية العامة قد إمتنعت قبل عهده بنحو مائة عام ، وأصبح جيش الإمبراطورية يتألف كله تقريباً من جنود
مُرتزقة من البرابرة يؤتى بهم من مائة قبيلة ودولة، ويعيشون على النهب والسلب ،
ويحلمون بالثراء والاغتصاب؛ وكثيراً ما كانوا يشقون عصا الطاعة في أشد أزمات
القتال ، وكثيراً ما فقدوا ثمار النصر لإشتغالهم بجمع الغنائم والأسلاب ، ولم يكن شئ
يجمعهم ويؤلف بينهم، أو يشحذ هممهم إلا أداء أجورهم بانتظام أو خضوعهم لقواد عظام.
الإمبراطور جستنيان ودوره في تشريع القوانين
لقد نسي التاريخ حروب جستنيان الأول ، وحق له أن ينساها ، ولا
يذكر اسمه إلا مقترناً بقوانينه. وكان قد مضى قرن من الزمان منذ نشر قانون
ثيودوسيوس ، وأضحت كثير من أصوله عتيقة لا تطبق لتغير الظروف التي شرعت فيها ،
وسنت قوانين جديدة كثيرة ، إختلطت بعضها ببعض في كتب القوانين ، ووجد تناقض كثيرين
بعض القوانين والبعض الآخر عاق أعمال المحاكم والسلطة التنفيذية. يضاف إلى هذا أن
تأثير المسيحية ، قد بدل كثيراً من الشرائع وغير تفسيرها. ثم إن قوانين روما المدنية
كثيراً ما كانت تتعارض مع قوانين الأمم التي تتألف منها الإمبراطورية ، وإن كثيراً
من التشريعات لم تكن تتفق مع تقاليد الشرق المصطبغ بالصبغة اليونانية. وقصارى
القول أن شريعة روما كلها أضحت أكداساً من المواد القانونية التجريبية لا قانوناً
منطقياً واحداً.
هذا - ولم يكن جستنيان الأول ، وهو صاحب النزعة القوية إلى الوحدة ، ليرضى عن
هذه الفوضى ، كما لم يكن يرضى عن تمزيق أوصال الإمبراطورية ، ولهذا عين في عام 528 م ، عشرة
من فقهاء القانون لينظموا قوانين الدولة ، ويوضحوها ، ويصلحوها.
وكان أكثر أعضاء
هذه اللجنة نشاطاً ونفوذاً هو الكوستر تريبونيان - Tribonian
، الذي ظل إلى أن مات أشهر الموحين بخطط جستنيان التشريعية
، والناصحين له، والمنفذين لآرائه ، وذلك رغم حرصه الشديد على المال ومظنة الكفر
بالله. وأممت اللجنة الجزء الأول من عملها بسرعة أكثر مما كان خليقاً بها ،
وأصدرته في عام 529م - بإسم القانون الدستوري - وأعلن الإمبراطور أنه هو قانون
الإمبراطورية ، وأنه يلغي جميع ما سبقه من التشريعات إلا ما تضمنه منها، وصُدِّر
بهذه العبارة الجميلة : " إلى الشُبان الراغبين في دراسة القانون - يجب ان يسلح
جلالة الإمبراطور بالقانون كما يجب أن يعلو مجده بقوة السلاح ، حتى يسود بذلك
الحكم الصالح في الحرب والسلم على السواء ، وحتى يتبين للناس أن الحاكم... لا تقل
عنايته بالعدالة عن عنايته بالنصر على أعدائه " .
ثم أنتقل اعضاء اللجنة إلى القسم الثاني من مهمتهم ، وهي
أن يضموا في مجموعة واحدة آراء فقهاء القانون الرومان ، التي رأوا أنها لا تزال
خليقة بأن تكون لها قوة القانون ، ونشرت هذه الآراء باسم مجموعة القوانين والفتاوى
المدنية ؛ وقالت اللجنة إن آراء الفقهاء والشروح التي وردت في هذه المجموعة ستصبح
من ذلك الحين واجبة الطاعة على جميع القضاة ، وإن جميع ما عداها من الآراء قد فقدت
ما كان لها من قوة شرعية ، وامتنع من ذلك الحين نَسْخ ما عدا هذه من آراء فقهاء
القانون واختفى معظمها، ويستدل مما بقي منها على أن المحررين قد حذفوا ما كان من
آراء مناصرة للحرية، وأنهم عمدوا إلى الغش والتزوير فبدلوا بعض أحكام فقهاء
القانون الأقدمين حتى تكون أكثر ملاءمة للحكم المطلق.
وبينا كانت اللجنة تقوم بهذا العمل الكبير أصدر
تريبونيان Tribonian ، وإثنان من
من زملائه كتاباً موجزاً في القانون المدني سمياه القانونInstitutiones ، وكان هذا
الكتاب في جوهره عبارة عن شروح جايوسGius معدلة ومصححة حتى تلائم روح ذلك العصر.
وكان جايوس هذا
قد لَخٌصَ في القرن الثاني بعد الميلاد ، القوانين المدنية المعمول بها في أيامه ، وأظهر
في هذا العمل من البراعة ما يثير الإعجاب.
وكان جستنيان في هذه الأثناء يصدر
قوانين جديدة. فلما كان عام 534 ضم تريبونيان وأربعة من مساعديه هذه القوانين إلى
النسخة الجديدة المعدلة من كتاب القوانين. وبعد صدورها أصبحت النسخة الأولى غير
ذات موضوع، ولم يعثر عليها بعدئذ. ولما مات جستنيان نشر ما سنّه من قوانين جديدة
باسم التشريعات الجديدة. ولم تنشر هذه باللغة اللاتينية كما كانت تنشر الكتب
السابقة بل نشرت باللغة اليونانية، وكانت هي آخر ما صدر باللاتينية من كتب القانون
في الإمبراطورية البيزنطية. وقد أطلق على هذه المؤلفات كلها فيما بعد اسم مجموعة
القوانين المدنية. وكان يشار إليها في غير دقة بإسم : [ قانون جستنيان ] .
الإمبراطور جستنيان والكنيسة الرومانية
جرى هذا القانون على ما جرى به قانون [ ثيودوسيان ] ، فجعل
الشريعة المسيحية الأصلية قانون الدولة. وقد بدأ بتقرير التثليث وصب اللعنات على
نسطوريوس، وآوتبكيس ، وأبولينارس ، وإعترف بالزعامة الدينية للكنيسة الرومانية ، وأمر
كل الهيئات المسيحية بالخضوع إلى سلطانها ، ولكن الفصول التي جاءت بعد المقدمة
أعلنت سلطة الإمبراطور على الكنيسة ، فقالت إن جميع القوانين الكنسية كجميع القوانين
المدنية تصدر عن العرش ، ثم مضى كتاب القانون يذكر القوانين الخاصة بالمطارنة، والأساقفة ،
ورؤساء الأديرة، والرهبان، ويحدد العقوبات التي توقع على القساوسة الذين يقامرون ،
أو يرتادون دور التمثيل أو يشهدون الألعاب. وجعل عقوبة المانيين والمارقين
المرتدين هي الإعدام. أما الدوناتيون، والمنتانيون، واليعقوبيون وغيرهم من الطوائف
المنشقة فكان عقابهم أن تصادر املاكهم، وأن يحكم عليهم بأنهم غير أهل لأن يبيعوا
أو يشتروا، أو يرثوا أو يُورَثوا.
وحرمت عليهم الوظائف العامة، والاجتماعات، كما
حرموا من حق مقاضاة المسيحيين أتباع الدين القويم للحصول على ما لديهم قِبَلهم من
الديون ، وأباح القانون في بعض مواده الرحيمة للأساقفة أن يزُوروا السجون ، ليحموا
المسجونين من سوء استعمال القانون.
الإمبراطور جستنيان والنظام الطبقي
بدل القانون الميزات القديمة التي كانت تتمتع بها بعض
الطبقات ومن ذلك أن المعاتيق لم يعودوا يعاملون على أنهم طائفة خاصة قائمة بنفسها ،
بل أصبحوا يتمتعون من ساعة تحريرهم بجميع مميزات الأحرار ، فيُباح لهم أن يكونوا
أعضاء في مجلس الشيوخ وأن يكونوا أباطرة ، وقسم الأحرار جميعاً إلى طبقة ذوي الشرف
أو الرتبة، وإلى طبقة عامة ، وأقر القانون نظام الطبقات الذي نشأ منذ أيام
دقلديانوس فقسمها إلى أشراف Patricii، وممتازينIllustres ، ومحترمينSpecabites وهي التي تي أخذ منها لفظ Respecabls - أي مُحترم الإنجليزية ، وأصفياء Claricsimi ، وأمجاد Gloriosi ولقد كان في هذا القانون الروماني كثير من العناصر
الشرقية. وظهرت فيما ورد في هذه الشرائع من قوانين خاصة بالرق بعض آثار المسيحية
أو الرواقية. مثال ذلك أن اغتصاب أمّة كان عقابه الإعدام كاغتصاب الحرة سواء
بسواء؛ كذلك كان يحق للعبد أن يتزوج من حرة إذا وافق سيده على هذا الزواج ، وكان
جستنيان يشجع العتق كما تشجعه الكنيسة ، لكن القانون كان يجيز بيع الطفل حين يولد
في سوق الرقيق إذا كان أبواه معدمين ، وكان في قانون جستنيان فقرات ، تُشجع إسترقاق
رقيق الأرض ، وتمهد السبيل لنظام الإقطاع - مثال ذلك - أن الرجل الحر إذا زرع قطعة من
الأرض ثلاثين عاماً كان يطلب إليه أن يبقى هو وأبنائه إلى أبد الدهر مرتبطين بهذه
الأرض. وكان القانون هذا بأن يمنع الزارع من ترك الأرض؛ وإذا هرب رقيق الأرض أو
صار من رجال الدين من غير رضاء سيده، جاز لهذا السيد أن يطالب به كما يطالب السيد
بعبده.
الإمبراطور جستنيان وقانون المرأة
رفع قانون جستنيان من منزلة المرأة إلى حد ما ، وكان
إخضاعها للوصاية عليها طول حياتها قد انتهى في القرن الرابع، وبطل المبدأ القديم القاضي
بأن الأبناء الذكور هم وحدهم الذين يحق لهم أن يرثوا آباءهم، وبذلت الكنيسة جهوداً
كبيرة لتأييد المبدأ الجديد لأن كثيرات من النساء كن يوصين لها بأملاكهن. وحاول
جستنيان أن ينفذ آراء الكنيسة الخاصة بالطلاق ، وحرمه إلا إذا أراد أحد الزوجين أن
يدخل ديراً للنساء أو الرجال.
غير أن هذا العمل كان خروجاً متطرفاً على العادات
والقوانين القائمة وقتئذ ولذلك عارضه كثيرون من الشعب بحجة أنه سيزيد من حوادث
التسميم ، وذكرت فيما سن بعدئذ من القوانين في الإمبراطورية الرومانية حالات كثيرة
مختلفة يباح فيها الطلاق ، وظلت هذه معمولاً بها ، في الإمبراطورية البيزنطية حتى
عام 1453 فيما عدا فترات منقطعة. ومحى من القانون ما فرضه أغسطس من عقوبات على
العزوبة والعقم. وكان قسطنطين قد جعل الزنى من الجرائم التي يعاقب مرتكبها
بالإعدام ، وإن لم ينفذ هذا العقاب إلا في حالات نادرة ، أما جستنيان فقد احتفظ
بعقوبة الإعدام للزنى من الرجال ، اما الزانية فقد جعل عقابها الإقامة في دير
للنساء. وأباح القانون للزوج أن يقتل عشيق زوجته إذا وجدها في منزله أو شاهدها
تتحدث معه في حانة بعد إنذارها ثلاث مرات أمام شهود.
كذلك فرض القانون عقوبات
صارمة على من يزني بامرأة غير متزوجة أو بأرملة إلا إذا كانت حظية أو عاهراً. وكان
هتك العرض غصباً يعاقب عليه بالإعدام ومصادرة الأملاك ، وكان ثمن هذه الأملاك
المصادرة يعطى للمرأة المغتصبة. ولم يكتف جستنيان بتقرير عقوبة الإعدام للواط ، بل
كان في كثير من الأحيان يضيف إليها التعذيب ، وبتر الأعضاء ، وعرض المذنبين على
الجماهير في الشوارع قبل إعدامهما ، وإنا لنحس في هذا التشريع الصارم ضد الشذوذ
الجنسي بأثر المسيحية التي روعتها آثام الحضارة الوثنية فدفعتها إلى هذا إلتزمت
الوحشي.
الإمبراطور جستنيان وقانون حماية الملكية
غير جستنيان قانون الملكية تغييراً أساساً - من ذلك - أنه
ألغى ما كان ينص عليه القانون القديم من حق الأقارب من العصب أن يرثوا من يموت دون
أن يترك وصية؛ وجعل حق الميراث لأبناء الميت وأحفاده الخ من الظهور والبطون، وشجع
قانون الهبات والوصايا لجهات البر ؛ وأعلن أنه لا يجوز النزول عن شيء من أملاك
الكنيسة ، سواء كانت ثابتة أو منقولة ، أو كانت أجور أملاك ، أو رقيق أرض ، أو عبيد؛
فلم يكن يحق لأي رجل من رجال الدين أو غير رجال الدين ولا لأية جماعة دينية أو غير
دينية النزول عن أي شيء تمتلكه الكنيسة ، أو بيعه أو الإيصاء به. وأضحت هذه القوانين
التي وضعها ليو الأول وأنثميوس ، وأيدها قانون جستنيان هي الأساس الشرعي لثروة
الكنيسة المتزايدة ، فقد كانت أملاك غير رجال الدين تنقسم وتتفرق، أما أملاك
الكنيسة فظلت تتراكم ، وتزداد جيل بعد جيل ، وحاولت الكنيسة أن تحرم الربا، ولكنها
عجزت عن تحريمه ؛ وأجاز القانون القبض على المدينين الذين يتخلفون عن جلسات
المحاكمة ، ولكنه أَجَاز إطلاق سراحهم بالكفالة ، أو إذا أقسموا أن يعودوا حين يطلبون
للمحاكمة.
الإمبراطور جستنيان وتقنين قانون العقوبات
حرم القانون سجن أي شخص إلا بأمر أحد كبار القضاة، وحدد
الزمن الذي يمكن أن ينقضي بين القبض عليه ومحاكمته تحديداً دقيقاً لا يتعداه. وبلغ
عدد المحامين من الكثرة حداً جعل جستنيان يشيد لهم باسلقا خاصة نستطيع أن نتصور
مساحتها إذا عرفنا أن مكتبتها كانت تضم 150.000 مجلداً أو ملفٍ ، وكان المتهم يحاكم
أمام قاضي يعينه الإمبراطور، غير أنه كان من المستطاع تحويل القضية إلى محكمة
الأسقف إذا رغب في ذلك الطرفان المتقاضيان ، وكانت نسخة من الكتاب المقدس توضع أمام
القاضي في كل جلسة.
وكان وكيلا الطرفين يقسمان على الكتاب أنهما سيبذلان كل ما في
وسعهما للدفاع عن موكليهما بذمة وامانة ، ولكنهما يتخليان عن القضية إذا وجداهما
مما يخل بالشرف والأمانة ، وكان المدعي والمدعي عليه يلزمان أيضاً بأن يقسم كل
منهما على الكتاب المقدس أن قضيته عادلة. وكانت العقوبات التي ينص عليها القانون
صارمة ولكنها قلما كانت ملزمة فقد كان في وسع القاضي مثلاً أن يخفف العقاب عن
النساء والقُصَّر ، والسكارى الذين يقدمون للقضاء ، وكان السجن للمحافظة على
المتهمين حتى يحاكموا ، ولكنه قلما كان يستخدم لعقاب المدنيين.
وقد أجاز قانون جستنيان عقاب المجرم ببتر عضائه ، فكان
في هذا أكثر رجعية من قانون هادريان وأنطونينوس بيوس - مثال ذلك - أن جباة الضرائب
الذين يزورون في حساباتهم ، والذين ينسخون الآداب الدينية اليعقوبية ، كان يجوز
عقابهم بقطع يدهم، اتباعاً للنظرية القائلة بأن العضو الذي إقترف ذنباً يجب أن
يجازى بما أقترفه. وكثيراً ما يذكر القانون عقوبة جدع الأنف أو قطع الرقبة ، وأضافت
القوانين البيزنطية إليهما سلم العينين، وأكثر ما يكون ذلك لتشويه وجه الوارثين
للعرش أو المتطلعين له. وكانت عقوبة الإعدام تنفذ في الأحرار بقطع رءوسهم ، وفي بعض
الأرقاء بصلبهم؛ وكان السحرة والفارون من الجيش يحرقون أحياء ؛ وكان في وسع المواطن
المحكوم عله أن يستأنف الحكم أمام محكمة أعلى درجة من المحكمة التي أصدرته، ثم إلى
مجلس الشيوخ ثم إلى الإمبراطور نفسه آخر الأمر.
الإمبراطور جستنيان وتوحيد الكنيسة
لم يبق بعدئذٍ أمام جستنيان - إلا أن يوحد العقيدة الدينية
، وأن يجعل الكنيسة أداة متجانسة يتخذها وسيلة للحكم - وأكبر الظن - أن جستنيان كان
مخلصاً في عقيدته الدينية، وأن غرضه من توحيد الدين لم يكن سياسياً فحسب ، فقد كان
هو نفسه يعيش في قصره عيشة الراهب في ديره على قدر ما تسمح له بذلك ثيودورا ؛ يصوم،
ويصلي، وينكب على دراسة المؤلفات الدينية، ويناقش دقائق العقائد الدينية مع
الفلاسفة، والبطارقة، والبابوات ، وينقل بروكبيوس في هذا المعنى قول أحد المتآمرين
على جستنيان دون أن يخفي موافقته التامة على ما ينقله : " إن من أوتي أقل قسط
من عزة النفس لا يليق به أن يرفض العمل على قتل جستنيان ؛ وخليق به ألا يداخله أقل
خوف من رجل يجلس على الدوام في ردهة قصره من غير حرس ويقضي الجزء الأكبر من الليل
يقلب صفحات الكتب المسيحية المقدسة هو وجماعة من القساوسة الطاعنين في
السن " .
ويكاد يكون من أول الأعمال التي إستعان فيها جستنيان بسلطته وهو
نائب عن جستين ، أنه رتق الفتق الذي إتسع بين الكنيستين الشرقية والغربية على أثر
نشر رسالة الإمبراطور زينون ، وهي الرسالة المعروفة بإسم : " هنوتوكون " - وباللاتينية :Henotucon ، وقد إستطاع جستنيان أن يكسب تأييد القساوسة الإيطاليين أتباع الدين الأصلي ضد القوط ، وإخوانهم في الشرق ضد اليعقوبين، بقبوله وجهة نظر البابوية في المسائل التي كانت موضوع الخلاف.
وكانت هذه الشيعة الأخيرة التي تقول بأن ليس للمسيح إلا
طبيعة واحدة قد كثر عددها في مصر حتى كاد يعادل عدد الكاثوليك ، وبلغ من كثرتهم في
الإسكندرية أن إنقسموا هم أيضاً إلى طائفتين يعقوبيتين إحداهما تؤمن بنصوص الكتاب
المقدس وأخرى لا تؤمن به ، وكان أفراد الطائفتين يقتتلون في شوارع المدينة بينما
كانت نساؤهم يتبادلن القذائف من سطوح المنازل.
ولما ان أجلست قوات الإمبراطور
المسلحة أسقفاً كاثوليكياً في كرسي أثناسيوس كانت أول تحية حياه به المصلون أن
رجموه بوابل من الحجارة، ثم قتله جنود الإمبراطور ، وهو جالس على كرسيه.
وبينما كانت
الكثلكة تسيطر على أسقفية الإسكندرية ، كان الخارجون عليها يزداد عددهم زيادة مُطردة
في ريف مصر، فكان الفلاحون لا يأبهون بقرارات البطريق أو بأوامر الإمبراطور، وكانت
مصر قد خرجت عن طاعة الإمبراطورية ، أو أوشكت أن تخرج عن طاعتها قبل أن يفتتحها
الغرب بقرن كامل.
دور ثيؤدورا في مسألة توحيد الكنيسة
لقد تغلبت ثيودورا بثباتها على جستنيان المتردد في هذه
المسألة ، كما تغلبت عليه في كثير من المسائل الأخرى، فأخذت تأمر مع شماس روماني
يدعى فيجلوس Vligilius وتعرض
عليه أن تنصبه بابا إذا قبل بعض مطالب اليعقوبيين. وأثمرت هذه المؤامرة ثمرتها ،
فأخرج بليزاريوس البابا سلفريوس من روما في سنة 537 م ، ونفي إلى جزيرة بلماريا Palmaria، حيث مات مما لقيه من قسوة ، ونصب فيجليوس بابا في مكانه
بأمر الإمبراطور. وقبل جستنيان آخر الأمر رأي ثيودورا القائل بأن مذهب اليعاقبة لا
يمكن القضاء عليه ، فحاول أن يسترضي أتباعه في وثيقة دينية إمبراطورية - تُعرف بإسم
الفصول الثلاثة - ثم إستدعى فيجليوس إلى القسطنطينية وألح عليه بأن يوافق على هذه
الوثيقة.
وأجابه فيجليوس إلى طلبه في كره منه، فما كان من رجال الدين الكاثوليك في
أفريقية إلا أن أعلنوا طرده من الكنيسة وتجريده من رتبه الكهنوتية (550) م - وحينئذٍ - قام جستنيان بمحاولة سافرة للسيطرة على البابوية لم يقم بها إمبراطور غيره من
قبله ، ذلك أنه دعا مجلساً عاماً للاجتماع في القسطنطينية (553) م ، لم يكد يحضره أحد
من أساقفة الغرب ، ووافق المجلس على المبادئ التي وضعها جستنيان، ولكن الكنيسة
الغربية رفضتها ، وعاد النزاع بين الكنيستين الشرقية والغربية إلى ما كان عليه من
قبل، ولم يخمد لظاه مدة قرن من الزمان.
وقد حدث أن توفيت ثيودورا في عام 548 م ، وكانت وفاتها أشد الضربات التي حطمت شجاعة جستنيان ، وصفاء ذهنه ، وقوة بدنه ، وكان وقتئذٍ في الخامسة والستين من عمره ، وكان قد أضعفه نسكه وما حل به من ازمات متعاقبة.
الكوارث التي تعرضت لها الإمبراطورية الرومانية
أولاً - الكوارث الطبيعية
مجاعات - زلازل - أؤبئة - قحط - طاعون
بعد موت ثيؤدورا - أهمل الإمبراطور جستينان الأول شؤون الحكم - ومنح إمتيازات إدارة بعض مسئوليات الحكم للعاملين معه ، كما أهمل وسائل الدفاع التي بذل غاية جهده لإقامتها ، وانهمك في البحوث الدينية ،
وحلت بالبلاد كوارث لا حصر لها عليه نغصت عليه حياته في السبعة عشر عاماً التي
عاشها على حافة القبر ، فقد إمتاز حكمه بكثرة ما حدث فيه من الزلازل التي دمرت
اثنتي عشرة مدينة وكادت تمحو آثارها من الوجود ، ونضب معين خزانة الدولة من جراء
النفقات التي تطلبتها إعادة بنائها، وفشا الطاعون في البلاد في عام 542م ، وجاء
بعده القحط في عام 556 م ، وعاد الطاعون مرة أخرى في عام 558م .
أولاً - كوارث الحرب والغزو
1 - إجتياز قبائل الهون الكتريجوريون لنهر الدانوب
وفي عام 559 م - إجتاز
الهون الكتريجور Kutrigur Huns نهر الدانوب ، وهتكوا أعراض الأمهات والعذارى الراهبات ، وألقوا إلى الكلاب
بالأطفال الذين ولدتهم السبايا اللائي أخذوهن معهم في زحفهم ، وتقدموا حتى بلغوا
أسوار القسطنطينية ، واستغاث الإمبراطور في هلعه الشديد بالقائد العظيم الذي طالما
أنجاه من الكوارث من قبل. وكان بليزاريوس وقتئذٍ ضعيفاً منهوك القوى ، ولكنه إنتضى
سيفه ولبس درعه، وجمع ثلاثمائة من جنوده المحنكين الذين حاربوا معه في إيطاليا ،
وضم إليهم بضع مئات من الجنود غير المدربين ، وسار بهم ليلاقي الهون البالغ عددهم
سبعة آلاف رجلاً ، وزع قواه بما تعوّد من حذق وبُعد نظر ، فأخفى مائتين من خيرة جنوده
في غابات قريبة من ميدان القتال ، فلما أن تقدم الهون لقتاله إنقض هؤلاء على
جناحهم ، بينما كان بليزاريوس يتلقى هجوم أعدائه على رأس جيشه الصغير.
إرتد البرابرة على أعقابهم وولوا الأدبار قبل أن يصاب
روماني واحد بجرح خطير. وغضبت الجماهير في العاصمة لأن بليزاريوس لم يقتف أثر
العدو ويقبض على قائد الهون ويأت به أسيراً ، ودأبت الغيرة في قلب الإمبراطور ، فإستمع إلى وشاية الواشين بقائده الكبير، واتهمه بالتآمر عليه ، وأمره بأن يسرح
جنوده المسلحين. ولما مات بليساريوس في عام 565 م - صادر جستنيان نصف ممتلكاته.
لقد عاش الإمبراطور جستنيان الأول بعد قائده ثمانية أشهر ، وقد أثمرت دراسته
للدين في سنيه الأخيرة ثمرة عجيبة! ، وهل هناك أعجب من أن يخرج على الدين حامي حمى الدين ، فقد أعلن جستنيان أن جسد المسيح غير قابل للدنس ، وأن طبيعة المسيح البشرية لم
تتعرض في يوم من الأيام لحاجة من حاجات الجسد الفاني ، ولا لشيء من مساوئه .
وفاة الإمبراطور جستنيان الأول
لقد أنذر رجال الدين الإمبراطور جستنيان الأول - بأنه إذا مات قبل أن يرجع عن هذه الخطيئة "فسيلقى في نار جهنم
ويبقى فيها إلى أبد الآبدين" ، ولكنه مات قبل أن يتوب من ذنبه 556 م ، بعد حياة
دامت ثلاثة وثمانين عاماً ، جلس منها على العرش ثمانية وثلاثين. وكان موت جستنيان
نقطة أخرى من النقاط التي يمكن أن تعد خاتمة التاريخ القديم. لقد كان في حياته
إمبراطور رومانياً بحق، يفكر في جميع شؤون الإمبراطورية شرقيها وغربيها على
السواء، ويبذل كل ما وسعه من جهد ليصد عنها البرابرة. وليعيد إلى الإمبراطورية
الواسعة حكماً منظماً وشرائع متجانسة. ولقد أفلح في تحقيق جانب كبير من هذا الغرض:
فقد استرد أفريقية، ودلماشيا، وإيطاليا، وقورسقة، وسردينيا، وصقلية، وبعض أسبانيا،
وطرد الفرس من سوريا، وتضاعفت رقعة الإمبراطورية في عهده ضعفين. وتمثل شريعته بما
فيها من وحدة، ووضوح، واتساع في الأفق، ذروة في تاريخ القانون. ولسنا ننكر أن
إدارته لشؤون الإمبراطورية قد لوّثها فساد الموظفين ، ورشوة الحكام ، وفدح الضرائب ،
وتدخل الأهواء، والنزوات في العفو والعقاب؛ ولكنها مع ذلك كانت تمتاز بالعمل
المتواصل على تنظيم حكم الإمبراطورية وشئونها الاقتصادية؛ ولقد أفلحت في إقامة صرح
من النظام إن يكن معادياً للحرية فإنه قد حفظ كيان الحضارة في ركن من أركان أوربا
في الوقت الذي غرقت فيه سائر القارة في ظلمات العصور المظلمة.
هذا إلى أنه قد خلد
اسمه في تاريخ الصناعة والفن كما يشهد بذلك جامع أياصوفيا الذي هو أثر من آثاره.
وما من شك في أن أشياعه من معاصريه قد بدا لهم أن الإمبراطورية استطاعت مرة أخرى
أن تصد تيار التدهور وأن تبعد عنها يد الردى إلى حين.
إرسال تعليق