صلاح الدين الأيوبي وحكم مصر
ما إن تقلد صلاح الدين مقاليد الحكم في مصر حتى بدأت الوحشة بينه وبين نور الدين محمود، اعتقد نور الدين أن صلاح الدين يعمل للاستقلال بحكم مصر دونه، ومما زاد في الأمر شكًا أن صلاح الدين بعد سقوط الدولة الفاطمية بدأ في تثبيت أقدامه في مصر، فأخذ في إنشاء القلاع والتفكير ببناء سور حول المدن الأربعة التي تألفت منها مدينة الفسطاط، وعزز مقام أقاربه وأبناء عشيرته في الجيش والحكومة، وأزال رجالات الدولة ممن لم يكن يثق بهم، بالإضافة لاختلاف وجهات النظر السياسية بين الرجلين، فقد رأى نور الدين في بلاد الشام أنها بمنزلة الأرض الرئيسية للمعركة ضد الصليبيين، وتطلع إلى مصر كمصدر للطاقة البشرية الإضافية والواردات المادية التي تسد نفقات الجهاد، وخطوة تمهيدية للقضاء على مملكة بيت المقدس وهو لم يناضل في ضمها إلا من أجل هذه الغاية، أمَّا صلاح الدين فقد كان مقتنعًا نتيجة للصراع بين القوى الثلاث الإسلامية والصليبية والبيزنطية حول مصر بأن هذا البلد يشكل في الوقت الراهن مركز الثقل في العمليات العسكرية.
قرر نور الدين المسير إلى مصر وإخضاعها تحت حكمه في مناسبتين، الأولى: لما خرج صلاح الدين لمهاجمة حصن الشوبك بعد استيلاء الصليبيين عليه، وعرقلة سير التجارة بين مصر والشام، وبعد حصار لم يدم طويلًا، لم تستطع الحامية الصليبية في الثبات والمقاومة، فأعطى صلاح الدين أهل الحصن مهلة من عشرة أيام للتسليم، لكن صلاح الدين لم يلبث أن ينال من الحصن حتى علم بسير نور الدين إليه لمساعدته، وعندئد خشي صلاح الدين أن يقبض عليه نور الدين إذا رآه ، فأسرع بالانسحاب والعودة إلى مصر، معتذرًا باختلال الأحوال في مصر وأنه يخاف عليها إذا بعد عنها. استاء نور الدين من مسلك نائبه وعظم عليه ذلك ولم يقبل عذره، ورأى فيه دليلًا صارخًا على تهربه منه، وظن أن صلاح الدين قد انفصل نهائيًا عنه ، فقرر الزحف إلى مصر والاستيلاء عليها، الأمر الذي أخاف صلاح الدين، فعقد اجتماعًا مع أقاربه وبعض خاصته وإستشارهم فيما ينبغي أن يُفعل، أشار نجم الدين أيوب على ولده أن يكتب إلى نور الدين بأنه خاضع له ومنفذ لأمره، فعمل صلاح الدين بنصيحة أبيه، وأرسل إلى نور الدين هدايا ثمينة من الحيوانات النادرة والجواهر ، والأقمشة والمصنوعات والعطر. استلم نور الدين هدية صلاح الدين ، ومعها كتاب الولاء والطاعة، ولم يعد هناك من حجة يبرر بها الزنكي حملته على مصر.
تمثال صلاح الدين الأيوبي
بغداد
الثانية : أراد نور الدين تجربة صلاح الدين فكتب إليه عام 569 هـ الموافق 1173م أن يخرج لغزو الفرنجة في الكرك، على أن يسير هو أيضًا إلى هناك، فأيهما سبق صاحبه أقام إلى أن يوافيه الآخر، ذهب صلاح الدين بجيشه إلى الكرك وحاصرها، ولكنه ما كاد يعلم باقتراب نور الدين حتى رفع الحصار عن المدينة وعاد إلى مصر، وأرسل الفقيه عيسى الهكاري إلى نور الدين يعتذر عنه بأنه اضطر إلى العودة لمرض والده وأنه يخاف أن يحدث عليه حادث الموت، والذي كان يعاني سكرات النزاع، وقد توفي قبل وصول صلاح الدين إلى القاهرة. لم يقتنع نور الدين زنكي باعتذار صلاح الدين وأيقن هذه المرة أن نائبه قد خرج عليه وخلع طاعته، فزاد غضبه ونفذ صبره، وأقسم لينتقمن منه أشنع انتقام، فصمم نهائيًا على فتح مصر والقيام بعمل حاسم ضد صلاح الدين، لكن القدر كان مع صلاح الدين ، فما كاد نور الدين يستعد للقيام بحملته على مصر حتى وافته المنية عام 569 هـ الموافق 1174م ، وفي هذا التاريخ كانت بداية الدولة الأيوبية.
الدولة الأيوبية والمؤامرات
صلاح الدين الأيوبي
بعد أن زال خطر نور الدين، واجهت صلاح الدين عدد من المؤامرات منها: رفض الجماعات الشيعية المتواجدة في مصر الخضوع للحاكم الجديد، فقاموا عام 567 هـ الموافق 1174م بمؤامرة للانقلاب على حكم صلاح الدين ، وكاتبوا شيخ الإسماعيلية الباطنية (الحشيشية) ، وطلبوا منه أن يُبيِّت له مكيدة وحيلة ، وإتصلوا بويليام الثاني النورماني ملك صقلية ليهاجم الإسكندرية ، بالإضافة لتنسيقهم مع عموري الأول ملك بيت المقدس.
لكنهم أخطأوا بإشراكهم في سرهم الفقيه زين الدين علي بن أبي النجا الذي قام بإطلاع صلاح الدين على المؤامرة ، فقام صلاح الدين بالقبض على قادة المؤامرة وتصفيتهم، لكن ملك صقلية واصل السير إلى الإسكندرية ، وحاول اقتحامها، وانتهت المعركة بين الطرفين بإنسحاب ملك صقلية.
كما واجه صلاح الدين خطر الجيش الفاطمي المؤلف من عدد كبير من الفرسان البيض وحوالي ثلاثين ألفًا من المشاه السود، كان معظم الفرسان البيض من الأرمن الذين خدموا في الجيش الفاطمي في عهد الخليفة المستنصر الفاطمي ، فكثر عددهم وزادت شوكتهم منذ ذلك الحين، فبدأ صلاح الدين في بناء جيش خاص به على حساب الجيش الفاطمي، وذلك بإخراج طوائف السودان والأرمن من القاهرة، وعندما اندلعت حركة التمرد التي أشعلها الجنود السود بقيادة مؤتمن الخلافة جوهر، كان لدى صلاح الدين من القوات النظامية مايكفي للقضاء على معظم قوات التمرد وطرد فلولهم إلى الصعيد، أما الفرسان البيض في الجيش الفاطمي ، فلم يتحركوا للمشاركة في التمرد، وصاروا فيما بعد جزءً مهمًا من جيش صلاح الدين.
وعندما توفي نور الدين محمود كان وريثه في الحكم ابنه الملك الصالح اسماعيل الذي كان عمره 11 سنة، ولصغر سنه كثر من يطالب بولايته فبدأت المنازاعات في الشام، تطلع لهذه الوصاية عواصم كبرى في العالم الإسلامي آنذلك، فالموصل وحكامها الأتابكة تحت زعامة الملك سيف الدين غازي الثاني الذي سارع لضم البلاد المجاورة له وأعلن نفسه أميرًا على الجزيرة، كما تطلع لضم حلب ودمشق التي كان بها مقدم الجيش شمس الدين محمد الذي اضطر لمهادنة الصليبيين ودفع جزية مالية لهم حتى يتقي هجومهم، وأرسل بطلب المساعدة من صلاح الدين ، وحلب التي كان أكبر القواد فيها شمس الدين علي بن الداية، الذي استدعى الملك الصالح بن نور الدين إلى حلب، لكن قائدًا آخر هو سعد الدين كمشتكين قبض على ابن الداية واستبد بأمر الملك الصالح .
وقد تحين صلاح الدين الفرصة حتى قرر الخروج إلى الشام عام 570 هـ الموافق 1174م ـ بعد أن إستغاث به قائد الحامية شمس الدين محمد بسبب أطماع الفرنج في دمشق وأعمالها مثل بانياس، فوصل الشام واستولى عليها من غير مدافع وبلا ضربة ولا طعنة. ثم غادر دمشق متوجهًا لحلب، فاخضع في طريقه حمص وحماة، أما حلب فقد استعصت على صلاح الدين حيث لجأ أمراء حلب إلى سنان شيخ الجبل زعيم الحشاشين لاغتيال صلاح الدين وأمدوهم بالأموال التي تغريهم على ذلك، فوثب عليه جماعة منهم أثناء نزوله حلب ولكنه نجا من المحاولة، ثم قام حاكمها كمشتكين بالاستنجاد بريموند الثالث أمير طرابلس ، الذي كان يدرك خطورة سقوط حلب بيد صلاح الدين، فقرر مفاوضته، وأرسل إليه يرغبه بالصلح ويلوح له أن الفرنج قد تعاضدوا وصاروا يدًا واحدة، لكن صلاح الدين رفض الصلح مما دفع بريموند للإغارة على حمص التي كان صلاح الدين قد ضمها إلى دولته، فاضطر لترك حصار حلب لنجدة حمص ، فنتج عن ذلك فك الحصار عن حلب. اتجه صلاح الدين نحو بعلبك فدخلها بدون قتال.
ثم أرسل إلى الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله رسولًا يشرح فيه سبب قيامه بحملته على الشام ، ويقول أن مجيئه للشام مطلبًا قوميًا وليس شخصيًا حيث قال: «والمراد الآن هو كل مايقوي الدولة، ويؤكد الدعوة ويجمع الأمة». ثم أعلن صلاح الدين نفسه ملكًا على مصر والشام بموافقة الخليفة العباسي في أواخر عام 570 هـ الموافق 1175م.
إرسال تعليق