يُكمل القديس " يوحنا الحبيب " روايته للرؤيا فيقول : وحول العرش أربعة وعشرين عرشاً ، ورأيت على العروش ، أربعة وعشرين قسيساً جالسين ، متسربلين بثياب بيض ، وعلى رأسهم أكاليل من ذهب ، ومن العرش يخرج بروق ورعود وأصوات ، وأمام العرش سبعة مصابيح نارية ، هي سبعة
والكنيسة - تعتقد إعتقاداً أكبر في سمو مركز هؤلاء القسس الأربعة وعشرون السمائيين لدى الله منذ قرونها الأولى ، وحتى عصرنا الراهن .
ولعل أبلغ دليل على ذلك - ترتيب عيداً تذكارياً لهم ، وتخصيص ركنٍ لهم في داخل ذكصولوجية خاصة بهم .
وقد ظهرت أراء متناقضة حول تفسير هذا المقطع ، فقد إعتقد البعض أن الأربعة وعشرين قسيساً - أو شيخاً - هم ممثلين في الكنيسة المخطوفة ، والتي سوف يتم إختطافها في المجئ الثاني ، وذلك حينما يأتي الرب يسوع ـ ويملك ألف سنة على الأرض مُلكاً مادياً ، ويكون هذا هو ما يُعرف بإسم " المجئ الثالث ".
أما الطائفة البروتستانتية ، فتري تفسيراُ آخر لهذا الكلام ، وقد ذكر في هذا الصدد القس " إبراهيم سعيد " من الطائفة البروتستانتيه يقول " أن البعض يراهم ملائكة من طغمة ممتاذة ، يقودون العبادة والخدمة الروحية في الأقداس السمائية ".
ويقول القديس " إمبروسيوس " : " ألا تتخيل العروش أو الجلوس فيها بصورة مادية ، لأن هذه مجرد تعبيرات عن مدى سمو بهاءهم ، ومقدار قُدسيتهم " .
ويذكر القديس " فيكتوريانوس " فيقول : " أن الأربعة وعشرين قسيساً - هم كائنات سمائية ، وهم في نفس الوقت يشيرون إلى أنبياء العهد القديم .
وفيما يخص تفسير الرعود والبروق والأصوات الخارجة منهم ، فنري أن مفهوم البرق ليس المقصود به هنا البروق التي نراها بأعيننا في السماء ، كظاهرة طبيعية عادية ولكنها هنا تشير إلى وعود الله ، ومواعيده السمائية التي هي هدفها وغاية كلمتها وجوهرها الحقيقي .
ومفهوم الرعود هنا ليس المقصود منه أيضاً الرعود المعروفة لدينا بمظهرها المادي ، ولكنها تشير هنا في سفر الرؤيا ، إلى " عمل الروح " - روح الله القدوس داخل كل إنسان مؤمن إيماناً خالصاً ، وبالروح القدس ، تتحطم قيوده ، ويتزلزل جحوده .
وأما عن مقطع ( أمام العرش سبعة مصابيح نار مُتقدة من سبعة أرواح الله ) - فتفسيرها هو أن روح الله هي الروح التي بواسطتها تُضاء الكنيسة من نور هذه الروح وتتمتلأ من مجده المستمد من هذه الروح ، ويعمل هذا الروح في تنمية الأسرار السبعة للكنيسة ، ومن خلال هذه الأسرار التي يمارسها الإنسان بأمانة وإخلاص يصل الروح إلى قلب الكنيسة ، وعلى رأس هذه الأسرار - سر المعمودية .
وحول تفسير هذا المقطع ذكر القديس فيكتوريانوس ، وأيده في الرأي القديس إيريناؤس ، أن المقصود بها هو : الحيوانات غير المتجسدة ـ وهي تعد بحسب الدرجة السمائية ـ من الطغمات السمائية ، وقد زادت دلالة هذا التشبيه بعد أن عرفناهم خلال الرؤيا بأنهم هم حاملوا عرش الرب الإلهي ، وهم " الشاروبيم " ، و" السيرافيم " ، وهما يعتبرا شفعاءنا في قداساتنا الكنسية إلى الله ، وتدعوهم الكنيسة بلقب : " الغير مُتجسدين حاملي مركبة الله " ، وتأتي كرامتهم - بحسب وصف القديس يوحنا ذهبي الفم - بأنه ليس هناك من يُشبههم في كرامتهم لا في السماء ولا في على الأرض ، لأن لهم شرف أن يحملوا عرش الله الإلهي ، وهم على الرغم من هذه الكرامة ، لايستطيعون النظر إلى وجه الله ، وهم مخلوقون من نور ناري ، وهم أشداء وأقوياء ، ويسالون من الله أن يسمع إلى صلاتنا ، وأن يترأف علينا ، ويغفر لنا خطايانا.
هذا - وقد ورد ذكرهم في نبؤات العهد القديم - على لسان الأنبياء " حزقيال " ، و " إشعياء النبي " ، و " داود النبي " الذي قال في مزاميره : ( طأطأ السموات ونزل وضباب تحت رجليه ، ركب على ركوب ، وطار وهتف على أجنحة الرياح ) .
والمقصود هنا من هذا المقطع - هي الإشارة إلى القسوس ، لأن الرب هو إكليلهم وهم مركبته ، حاملين عرشه .
بحسب تفسير " إبن العسال " - فقد ذكر أن المقصود بالعيوم الكثيرة هنا - الإشارة إلى إدراكهم لخبايا وأسرار الحاضر والمستقبل التي يُكشف عنها الله .
وتمثل تلك الطغمات السمائية ، حياة الخدام الروحية في الكنيسة العالمية على الأرض ، فهم ينظرون إلى جسد الرب ودمه في كل قداس ، ويلمسونه ويأكلونه بوجوه فرحة ، وبقلوب متهللة منشرحة ، وذات الوقت - خائفة ، وتتجه عيونهم إلى أسفل من عِظم مجده ، ورؤوس مُنكسة من دواعي التبجيل والخضوع ، وهي ليست مخلوقات ذات طابع مادي ملموس ، بل هي مخلوقات روحانية في واقع الأصل وقوات غير منظورة ، وقد ذكر عنها " حزقيال النبي " يقول :
" المخلوق الحيٌ الأول شبه أسد ، والمخلوق الحيٌ الثاني شبه عجل ، والمخلوق الحيٌ الثالث له وجه مثل وجه إنسان ، والمخلوق الحيٌ الرابع شبه نسر طائر " .
ويوضح لنا القديس " غريغوريوس النزينزي " وأيضاً العلامة " أوريجانوس " أن هذه المخلوقات تحمل معنى قوة النفس الأربعة التي تتقدس بحمل الله فيها وهي كالتالي:
وبالتالي - لا يحتمل الأربعة وعشرين قسيساً هذا المشهد الباهر ، فيقومون من كراسيهم ، ويلقون بأكاليلهم عند أرجل الله ، ويخرون امامه ساجدون لإستحقاق وقداستة وعِظَم مجدِهِ .
















إرسال تعليق