أبحاث
تاريخية
{ تاريخ
مدينة الأسكندرية عبر العصور }
لا يُحتسب تاريخ المدينة الساحلية المعروفة بإسم: مدينة الإسكندرية ، بتاريخ تأسيس الأسكندر الأكبر لها ، ليصير الإسم الذي تحمله حتى الآن دون تغيير منذ آلاف السنين ، فهي مدينة لها تاريخ أقدم وأعرق من زمن تأسيس الإسكندر لمدينته فيها ، لتكون عاصمة إمبراطوريته المترامية الأطراف ،
فكانت الإسكندرية وفقاً لأحداث الدراسات والأبحاث التاريخية ، تُعرف في زمن أقدم من دخول الإسكندر الأكبر لها بأكثر من إسم ، لعل من أقدمها - إسم " راكوتيس " ، والذي تدرج ليكون " راكودة " ، أو " راكوتة ".
هذا - وتعتبر مدينتا الإسكندرية وأبو قير من
المدن الساحلية التراثية ، وقد نسجت حولهما الأساطير - فيما روي عنهما المؤرخون
والزوار من الإغريق والرُومان والعرب.
وكانت المدينتان من المدن المتحفية التي كانت تضم آثار
الغابرين الذين عمروهما. وكانت هذه الآثار قائمة ، و لكنها لم تتحد الزمن فوق الأرض ، فأبوقير القديمة طمرت وغاصت تحت مياه خليج أبو قير ، والإسكندرية بقصورها
الملكية المنيفة ومعابدها مالت لتغوص تحت مياه الميناء الشرقي ما بين
قلعة قايتباي ولسان السلسلة في أواخر القرن الثامن - والغريب
أنها مالت في إتجاه واحد كأن المدينتين كانتا ماثلتين فوق جرف أرضي إنهار بهما
فجأة - فإختفت المدينتان بعدما كانتا أثرا لكل عين منذ ألف عام. ويقال أن هذا بسبب
الزلال ويقال بسبب الفيضانات التي داهمت المدينتين وأغرقتهما بما فيها منارة
الإسكندرية الشهيرة. وطبعا كانت هذه الكارثة إبان العصر الإسلامي. لهذا عند
التنقيب تحت المياه وجدت عملات وآثار إسلامية وأعمدة وبقايا معابد فرعونية
وإغريقية ورومانية وإسلامية. وفي أبو قير تم العثور علي مخلفات
أسطول نابليون الذي أغرقه الإسطول الإنجليزي وهو قابع في الخليج
عام 1798. فعندما نتطلع إلي الميناء الشرقي أمام تمثال الجندي المجهول
حاليا بالمنشية نجد أن تحت المياه ترقد أطلال مدينة الإسكندرية الأسطورية. لتمثل
بانوراما حضارة قامت وغبرت وجعلت من هذه المدينة المتحفية أسطورة حضارية وأثرية.
ولغزا دفينا في أعماق البحر.
أسس الإسكندر الأكبر مدينة
الإسكندرية 21 يناير 331 ق.م كمدينة يونانية. وكانت قد أصبحت
في عام 250 ق.م. أكبر مدينة في حوض البحر الأبيض المتوسط. وتقع مدينة الإسكندرية
علي البحر فوق شريط ساحلي شمال غربي دلتا النيل ووضع تخطيطها المهندس الإغريقي
(دينوقراطيس) بتكليف من الإسكندر لتقع بجوار قرية قديمة للصيادين كان يطلق عليها
راكوتا (راقودة).
الأسكندر الأكبر
والمدينة قد حملت إسمه ، وسرعان ما اكتسبت شهرتها بعدما أصبحت
سريعا مركزا ثقافياً وسياسياً وإقتصادياً ولاسيما عندما كانت عاصمة لحكم البطالمة في
مصر وكان بناء المدينة أيام الإسكندر الأكبر إمتداداً عمرانياً لمدن فرعونية كانت
قائمة وقتها ولها شهرتها الدينية والحضارية والتجارية.
وكانت بداية بنائها ، كضاحية
لمدن هيركليون وكانوبوس ومنتوس. وإسكندرية الإسكندر كانت تتسم في
مطلعها بالصبغة العسكرية كمدينة للجند الإغريق ثم تحولت أيام البطالمة الإغريق إلي
مدينة ملكية بحدائقها وأعمدتها الرخامية البيضاء وشوارعها المتسعة وكانت تطل علي
البحر وجنوب شرقي الميناء الشرقي الذي كان يطلق عليه الميناء الكبير مقارنة بينه
وبين مبناء هيراكليون عند أبوقير علي فم أحد روافد النيل التي اندثرت وحالياً إنحسر
مصب النيل ليصبح علي بعد 20 كيلومترا من أبوقير عند رشيد ، والمدينة الجديدة قد إكتسبت هذه الشهرة من جامعتها العريقة ومجمعها
العلمي - المعروف بإسم " الموسيون " ، ومكتبتها التي تعد أول معهد أبحاث
حقيقى في التاريخ ومنارتها التي أصبحت أحد عجائب الدنيا السبع في العالم القديم.
فقد أخذ علماء الإسكندرية في الكشف عن طبيعة الكون وتوصلوا إلى فهم
الكثير من القوى الطبيعية. ودرسوا الفيزياء والفلك والجغرافيا والهندسة والرياضيات
والتاريخ الطبيعى والطب والفلسفة والأدب.
ومن بين هؤلاء
الأساطين إقليدس عالم الهندسة الذي تتلمذ على يديه أعظم الرياضيين
مثل أرشميدسوأبولونيوس وهيروفيلوس في علم الطب والتشريح ،
وأراسيستراتوس في علم الجراحة ، وجالينوس في علم الصيدلة ،
وإريستاكوس في علم الفلك ، وإراتوستينس في علم
الجغرافيا وثيوفراستوس في علم النبات ، وثيوكريتوس ، وكليماكوس في الشعر
والأدب ، فيلون وأفلاطون و في الفلسفة وعشرات غيرهم أثروا الفكر الإنساني
بالعالم القديم.
ولقد عثر الباحثون عن آثار الإسكندرية القديمة وأبو قير تحت الماء
علي أطلال غارقة عمرها 2500 سنة لمدن فرعونية – إغريقية ، ولاتعرف حتي الآن سوي من
خلال ورودها فيما رواه المؤرخون الرحالة أو ماجاء بالأساطير والملاحم اليونانية
القديمة. وكانت مدينتا هيراكليون ومنتيس القديمتين قرب مدينة الإسكندرية القديمة
وحاليا علي عمق 8 متر بخليج أبو قير.
وكانت هيراكليون ميناء تجاريا يطل علي فم
فرع النيل الذي كان يطلق عليه فرع كانوبس. ومدينة منتيس كانت مدينة
دينية مقدسة حيث كان يقام بها عبادة إيزيس وسيرابيس. والمدينتان غرقتا
في مياه البحر الأبيض المتوسط علي عمق نتيجة الزلازل أو فيضان النيل. وكان لهذا
ميناء هيراكليون الفرعوني شهرته لمعابده وازدهاره تجاريا لأنه كان أهم الموانيء
التجارية الفرعونية علي البحر الأبيض المتوسط فلقد اكتشفت البعثات
الاستكشافية مواقع الثلاث مدن التراثية التي كانت قائمة منذ القدم
وهيهيراكليون وكانوبس ومينوتيس. فعثرت علي بيوت ومعابد وتماثيل وأعمدة.
فلأول مرة تجد البعثة الإستكشافية الفرنسية شواهد علي هذه المدن التي كانت مشهورة
بمعابدها التي ترجع للآلهة إيزيس وأوزوريس وسيرابيس مما جعلها منطقة حج ومزارات
مقدسة.
و ظل مبناء هيراكليون مزدهرا تجاريا حتي بني الإسكندر الأكبر مدينة
الإسكندرية عام 331 ق.م. وكان علي العالم الفرنسي فرانك جوديو.
رئيس
فريق البحث الدولي عن الآثار البحرية التفتيش علي عمق 20 - 30 قدما في هذه المنطقة
لمدة عامين في الساحل الشمالي وكان يعاونه فريق البحث والتنقيب في خليج أبو
قير مستعينا بما دونه الأولون عن هاتين المدينتين واستعان بأجهزة كشف وتصوير
حديثة من بينها جهاز قياس قوة المغناطيسية وجهاز يعمل بالرنين النووي لتصوير خريطة
مغناطيسية للقاع وجهاز التوقيع المساحي المتصل بالأقمار الصناعية لتحديد مواقع
الآثار وموقع كل قطعة. حيث اكتشفت أعمدة من الجرانيت تحت الرمال بالقاع. ولوحظ شرخ
كالهلال طوله 115 قدم وعرضه 50 قدما وكان مملوءا بالرمال. ويقول جوديو معلقا على
مدينة هيراكليون: إن هذا أهم اكتشاف في تاريخ العثور على آثار بحرية.
وكان الفريق قد استعان بأحدث الأجهزة ومن بينها الموجات المغناطيسية لرسم خريطة
تحت المياه للموقع ما بين عامي 1999 و2000.وتم في مؤتمر صحفي في يونيو الماضي عرض
بعض ماتم العثور عليه وتصويره أمام الصحافة وتلفزيونات العالم. فلقد عثر الفريق
علي رأس فرعون وتمثال نصفي مجعد الشعر وله ذقن للإله سرابيس وتمثال طولي
بلا رأس من الجرانيت للإلهة ايزيس وهما من الآلهة الفرعونية القديمة.
ويقول المؤرخون أن مدينتي مينتوس المدينة الدينية وهيراكليون
التجارية الغارقتين قد شيدتا إبان القرنين السادس والسابع قبل الميلاد وقبل مجي
الإسكندر لأكثر من قرنين. وستظلان قابعتين تحت الماء ولن ينتشل منهما سوي الآثار
التي يمكن رفعها ووضعها في المتاحف. ولقد تحدثت كتابات الأقدمين عن هاتين
المدينتين التراثيتين باستفاضة وعن أهمية المنطقة التي كانت تضم موقعهما قبل أن
تغمرهما مياه البحر بسبب ما يقال بزلزال. فلقد ذكرهما المؤرخ
الشهير هيرودوت عام 450 ق.م. فوصف معبد إيزيس الشهير بمنتيس.
وقد جاء ذكر هذا الموقع في التراجيديات والأساطير الإغريقية ولاسيما في
قصة مينلاوس ملك إسبرطة الذي توقف في مدينة هيراكليون أثناء
عودته من طروادة ومعه الملكة هيلينا.
ولقد كانت مدينة هيراكلون قد فقدت أهميتها الاقتصادية بعدما
شيد الإسكندر مدينته الإسكندرية لتكون عاصمة لمصر لقربها من أثينا
اليونانية. وقد قسى عليها الزمن فداهمها الزلزال في القرنين السابع والثامن بعد
حوالي ألف عام من إنشائها. فمالت أعمدتها وجدران معابدها تجاه البحر حتى غمرتها المياه
لتصبح آثارها غارقة على بعد 4 ميل من شاطئ خليج أبو قير وهذا ما يتضح من خريطة
المسح المغناطيسي للموقع الذي قام به باحثون من جامعة ستانفورد الأمريكية. وغاصت
مع المدينة المنكوبة مدينتا كانبوس ومينتوس. وكان الغواصون قد اكتشفوا في الموقع
تحت الماء عملات ذهبية وجواهر إسلامية وبيزنطية.
وفي دراسة أخرى يقال أن المدينتين القديمتين هيراكليون ومينتوس قد
غرقتا بسبب الفيضان عندما فاضت مياهه عند مصب فم النيل حيث كانت المدينتان وحللت
المياه التربة وحولتها لعجينة سائلة تحتهما. فانزلقت المدينتان لمياه الخليج بسبب
شدة مياه الفيضان التي كانت تنحر التربة تحت أساساتهما فجرفتهما. وهذا ما بينته
تحليلات الرسوبيات في خليج أبو قير. وهذه النظرية قد بينها العالم الجغرافي الأثري
جيان ستانللي منمؤسسة سميثسونيان مستبعدا مقولة اختفاء المدينتين بسبب
الزلازل أو غمر مياه الخليج. فعكس ما يقال فقد توصل إلي أن النيل قد فاض وارتفع
مترا عن المعتاد ما بين عامي 741 و 742 م. وأيا كان فالمدينتان قد غرقتا بعد عام
730 م. لأن العملة الإسلامية التي وجدت بين الأطلال الغارقة عليها نقشت هذه السنة.
والغريب لاتوجد كتابات تغطي هذه الكارثة ولم تتحدث عنها حتى بين المؤرخين العرب.
حقيقة سجلات الفيضان للنيل تبين فيضانا هائلا قد وقع بهاتين السنتين. كما أن سجلات
الزلازل لاتبين وقوعها في هذه الفترة.
كان فريق البحث الفرنسي برئاسة العالمين جوديو وإمبريير قد فتش
الموقع الأول وقام بمسح القاع ما بين عامي 1999 و 2000. فعثر علي موقع شرق مدينة
كانوبس القديمة علي بعد 1,6 كيلومتر من الساحل. ووجد فيه آثارا طمرتها كميات من
الطمي بسمك يرتفع خمسة أمتارفوق كانوبس الشرقية ومدينة هيراكليون علي
بعد 5,4 كيلومتر وتحت طمي غمرها سمكه سبعة أمتار. وحاليا مصب النيل علي بعد 20
كيلومترا شرق أبو قير عند رشيد بعدما كانت المدينتان تطلان عليه إبان قيامهما
وكانت مدينة مينوتيس كماتبين أطلالها المغمورة تحت الماء أهم مدينة مقدسة في مصر
القديمة وموئلا لوفود الحجاج إليها لوجود معبد إيزيس بها. وكانت المدينة الملاصقة
هي مديتة كانوبس مخصصة لإقامة الاحتفالات الدينية التي كانت شائعة في العالم
القديم. وكانت هيراكليون ميناء تأتيه المراكب بالبضائع وبه الجمارك قبل دخولها
لمياه فرع النيل. وتعتبر المدن هيراكليون ومنتيس من المدن التي
أقامها الإغريق التجار الذين كانوا يعيشون في مصر قبل مجيء الإسكندر. لهذا كان بها
آثار إغريقية كمعبد هرقل ومعابد الآلهة
الفرعونية إيزيس وأوزوريس وسيرابيس. وكانت أيضا مدنا للفنون
والمال. فلقد رفع من الماء تمثال إيزيس ارتفاعه 1,5 متر من الجرانيت الأسود ورأس
فرعوني لتمثال أبو الهول. وتمثال ضخم للإله حابي إله
فيضان النيل وإله الخصب والنماء وهو أكبر تمثال عثر عليه لإله في مصر
حتي الآن. وطوله 11 قدما ووزنه 6 طن من الجرانيت. وتم إنتشاله عام 2001. كما عثر
علي أواني طبخ وصحون للأكل وعملات ذهبية ومصابيح زيتية ومرايا. وفي دراسة حديثة
نشرتها مجلة (نيتشر) بينت أن مدينتا هيراكلبون وكانوبس قد إنزلقتا وغارتا في
المياه بسبب طمي فيضان النيل وتخلخل الأساسات لمنشئاتهما ولاسيما عامي 741 و742 م.
حيث كان الفيضان شديدا. مما جعل الطمي يترسب بالبحر في هذه المنطقة. ولتراكمه سبب
عبئا فوق أرضية القاع فتصدعت. وهاتان المدينتان كانتا قد عاصرتا الإغريق والرومان
والبيزنطيين والعرب.
وقد إختفيتا في القرن الثامن لأنهما كان قد شيدا فوق أرضية
الأحراش الرخوة. فدراسة قصة مأساة هاتين المدينتين المنكوبتين تحت مياه البحر سوف
تعطي دلالات حول المدن الساحلية وتعرضها لمخاطر الزلازل والانزلاق تحت الأمواج.
وكان الفريق الفرنسي من الباحثين عن الأثار الغارقة تحت المياه برئاسة العالم
الفرنسي والأثري البحري فرانك جوديو من المؤسسة الأوربية لآثار تحت
المياه بباريس قد أعلن إكتشاف مينائي مدينتي هيراكليون ومونتيس
الغارقتين وآثار يرجع عمرها 2500 سنة تحت مياه ساحل مدينة الأسكندرية.
(( أهم وأشهر معالم الأسكندرية
القديمة ))
منارة الأسكندرية
مكتبة الأسكندرية القديمة
(( مدينة الأسكندرية في العصر
الحديث ))
إرسال تعليق