سلسلة أبحاث في الوحي المقدس
( موسوعة أنبياء العهٌد القديم )
" موسى النبي | كليم الله "
مقدمـــة
يشرفني أن يكون موقعي - الموقع الرسمي لمملكة الأرض - هو أول موقع يقوم بإصدار سلسلة " موسوعة أنبياء العهٌد القديم " - تلك الموسوعة الذي سنفردها للحديث عن أنبياء العهد القديم ، الذين وردت أسماءهم في أسفار العهد القديم ، الذي يُعد الجزء الأول للكتاب المقدس ، والذي دُوٌِنَ بالوحيٌ المقدس ، وبإرشاد الروح القدس ،
وبدايةً - يجب أن نعلم جميعاً معنى " الوحي المقدس " ، وذلك بإعتباره المصدر الرئيسي لما تسلمناه في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد من أسفار ، و نبؤات ، ورسائل ، وشواهد روحية ، وفي حالة التسليم بأن الكتاب المقدس - بعهديهِ القديم والجديد - قد كُتبا بإرشاد الوحي المقدس ، إذاً ، فيكون مصدر الكتاب القدس ، مصدراً سمائياً ، وأن كل من قام بالتدوين والكتابة فيه من أنبياء ورسل ، قاموا بتدوينها بأوامر مباشرة من الروح القدس ، وبإرشاده ، وقيادته ، فكان الروح القدس ـ هو مصدر الإملاء ، والتسليم ، وكان الرسل والأنبياء المدونون للأسفار والأناجيل والرسائل ، هم المتلقون لتلك الأوامر ، فقاموا بتدوين كل ما أملاه عليهم الوحي المقدس بأمانة.
في هذا النحو ، نورد ما جاء بالموسوعة العالميّة Encyclopædia Universalis الفيما يخص تعريف " الوحي " ، بأنه " إكتشاف ما كان مخبّأ أو سريّا " ، إلاّ أنّ هذا التّعريف دائما حسب الموسوعة لا يخلو من عموميّة وينبغي تنسيبه بالإشارة إلى الفوارق الّتي يمكن أن يحملها هذا المفهوم حسب الدّيانات أو الثّقافات.
يتعلّق الإختلاف الرّئيسي بين القصّتين بطبيعة المهمّة الّتي أوكلها الله إلى موسى إثر الوحي. تروي التّوراة عمليّة تلقّي موسى للوحي في سفر الخروج، الإصحاح الثّالث. ودون العودة إلى تفاصيل لحظة الوحي الّتي ذكرناها سابقا، سنحاول في مرحلة أولى تفكيك وظيفة الوحي ومفهومه في كلتا الدّيانتين.
شخصية موسى النبي في التوراة
والقرآن
تشترك الدّيانات التّوحيديّة في إعتبار الوحي - عملاً - يقوم به الله بأن يبيّن للنّاس حقائق لا يمكن للعقل البشريّ البسيط إكتشافها بمفرده .
فالوحي إذن سواء في القرآن أو في العهد القديم هو خطاب يتوجّه به اللّه إلى أحد عباده ليفصح من خلاله عن رسالة أو عن أمر أو عن دعوة للبشر. إلّا أنّ الاختلاف يكمن في الهدف من الوحي أو في طبيعة الرّسالة/ الدّعوة الّتي توجّه بمقتضاها الله إلى البشر.
يتعلّق المفهوم التّوراتي للوحي بمفهوم آخر ملتصق به وهو مفهوم العهد. هذا الأخير يمثّل مفهوما محوريا بل حتّى شرطا لازماً sine qua non للرّسالة الموسويّة/اليهوديّة.
وكلمة " عهد " - هي في واقع الأصل - ترجمة للكلمة اللاتينيّةTestamentum المترجمة من العبريّة " بريت " ، والّتي منها إشتقت الكلمة الفرنسيّة Testament/ Alliance، والعربيّة عهد/ميثاق.
وليس العهد هنا اتّفاقا بين شخصين بين شخصين أو أكثر حول مجموعة من " البنود " ، يلتزم بها الأطراف المتّفقة.
ومصطلح " العهد " - وفقاً للمفهوم التّوراتيّ - هو إرتباط أبدي بين اللّه والبشر عبر واسطة الأنبياء.
قبل ذكر خبر موسى النبي ، تتحدّث التّوراة في سفر التّكوين عن 5 أنبياء أو شخصيات عقد الله معهم عهدا وهم آدم ونوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب. إلّا أنّ مضمون العهد متجدّد. فلئن كان الأوّل عهدا مع الأرض عن طريق آدم ثمّ نوح ، فإنّ العهد الثّاني هو عهد بين اللّه وشعبه المختار، شعب إسرائيل، عن طريق إبراهيم ونسله.
أمّا عن مضمون العهد فهو يتمثّل في أن يعطي الله إلى نسل إبراهيم أرضا تمتدّ من " نهر مصر إلى النّهر الكبير، نهر الفرات " ، إذن فلا يمكن فهم بعثة موسى والوحي الّذي أنزل عليه عندما كلّمه اللّه والمهمّة الّتي أوكله إيّاها دون إدراجها في إطار العهد الّذي أبرمه اللّه مع إبراهيم.
ترد قصّة تلقّي موسى الوحي في التّوراة في الإصحاح الثّالث من سفر الخروج وفيما يلي النّص التّوراتي:
1 - وَظَهَرَ لَهُ
مَلاَكُ الرّبِّ بِلَهِيبِ نَارٍ مِنْ وَسَطِ عُلَّيْقَةٍ. فَنَظَرَ وَإِذَا
الْعُلَّيْقَةُ تَتَوَقَّدُ بِالنَّارِ، وَالْعُلَّيْقَةُ لَمْ تَكُنْ تَحْتَرِقُ.
2 - فَقَالَ مُوسَى:
«أَمِيلُ الآنَ لأَنْظُرَ هذَا الْمَنْظَرَ الْعَظِيمَ. لِمَاذَا لاَ تَحْتَرِقُ
الْعُلَّيْقَةُ. »
3 - فَلَمَّا رَأَى
الرّبُّ أَنَّهُ مَالَ لِيَنْظُرَ، نَادَاهُ اللهُ مِنْ وَسَطِ الْعُلَّيْقَةِ
وَقَالَ: «مُوسَى، مُوسَى!». فَقَالَ: «هأَنَذا. »
4 - فَقَالَ: " لاَ
تَقْتَرِبْ إِلَى ههُنَا. اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ الْمَوْضِعَ
الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ . "
5 - ثُمَّ قَالَ: " أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ». فَغَطَّى مُوسَى وَجْهَهُ لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى اللهِ ".
6 - فَقَالَ الرّبُّ: " إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَذَلَّةَ شَعْبِي الَّذِي فِي مِصْرَ وَسَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ مِنْ أَجْلِ مُسَخِّرِيهِمْ. إِنِّي عَلِمْتُ أَوْجَاعَهُمْ ".
7 - " فَنَزَلْتُ
لأُنْقِذَهُمْ مِنْ أَيْدِي الْمِصْرِيِّينَ، وَأُصْعِدَهُمْ مِنْ تِلْكَ الأَرْضِ
إِلَى أَرْضٍ جَيِّدَةٍ وَوَاسِعَةٍ، إِلَى أَرْضٍ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا ،
إِلَى مَكَانِ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ
وَالْفِرِزَّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ ".
فبعد أن بعث اللّه بعلاماته
إلى موسى النبي ، ناداه وعرّف بنفسه على أنّه إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب وهو ما يضع موسى
في استمراريّة مع العهد الإبراهيميّ. وقبل أن يستعرض معجزاته، عرض اللّه عليه قلقه
ورأفته وشفقته بمعاناة شعبه -إسرائيل- في مصر، أين يقوم فرعون باستعبادهم. فالأمر
أكيد ومستعجل ومهمّة موسى الملقاة على عاتقه هي إخراج إسرائيل من مصر إلى الأرض
الجيّدة والواسعة الّتي تفيض لبناً وعسلاً ، وللتّأكيد على محوريّة هذه المسألة في
رسالة موسى، تستحضر التّوراة العهد قبيل مناداة موسى" فسمع الله أنينهم فتذكّر
الله ميثاقه مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب".
وبالتّالي ، ليس تكليف موسى
إلّا التزاما من اللّه بميثاقه مع شعب إسرائيل. لكلّ هذه الأسباب يذهب الباحث Jacques Gauthier إلى أنّ الكتاب
المقدّس يمكن أن يتلخّص في قصّة العهد بين اللّه والبشر.
هذا - وترد لفظة الوحي ومشتقاتها (يوحي، أوحي، أوحينا) ، أكثر من 100 مرّة في القرآن ويختلف المعنى حسب السّياق الّذي وردت فيه. قسّم مفسّرو القرآن هذه المعاني إلى حوالي 4 معاني: فالوحي يمكن أن يحمل معنى الإلهام الغريزي عندما يمرّر اللّه أمرا أو توجيها إلى كائنات غير عاقلة كالنّحل أو معنى الإلهام الإراديّ عندما يمرّر الأمر إلى كائن عاقل لكن بطريقة غير مباشرة كما هو الحال مع أمّ موسى ، وكذلك معنى الإشارة الظّاهرة الّتي تفيد معنى التّوجيه والتّعليم كأن يتوجّه الله عن طريق أحد أنبيائه ليأمرهم بالعبادة ، وأخيراً معنى الوسوسة حين يوسوس الشّيطان معصية في قلوب النّاس. إلاّ أنّ المعنى الخامس للوحي والّذي يهمّنا في حالنا هذا هو الوحي الّذي يتلقّاه الأنبياء والّذي سيحملون بمقتضاه رسالة من الله. ينبغي علينا إذن أن نحاول من خلال مجموعة من الآيات والمقاطع القرآنيّة تفكيك طبيعة الخطاب الموجّه من الله إلى أنبيائه في لحظة الوحي حتّى يتسنّى لنا تحديد المفهوم القرآنيّ للوحيّ وبالتّالي مقارنة مظهر الاختلاف هذا في قصّة موسى القرآنيّة.
} ولَقَدْ بَعَثْنَا
فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ - النحل 63 }.
} وما أَرْسَلْنَا
مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا
أَنَا فَاعْبُدُو - الأنبياء 25 }.
} واسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ - الزّخرف 45 }.
} قُلْ إِنَّمَا يُوحَى
إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ - الأنبياء 108 }.
{ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا - الكهف 110 }.
}وإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُون - المائدة 111}.
ورغم إختلاف سورها وسياقاتها وظروف تنزيلها إلاّ أنّ كلّ هذه الآيات تشترك في فكرة واحدة: جميع الرّسائل السّماويّة وجميع الأنبياء الّذين أرسلهم اللّه إنّما أرسلهم بغرض وحيد وهو الدّعوة إلى توحيد اللّه دون غيره من الآلهة. إذن ينصهر الوحي مع الرّسالة، ويصبح العهد الّذي يربط اللّه بإبراهيم ونسله، لا بأن يعطيهم اللّه أرضا بل عهدا يقتضي الإيمان بالله وعدم الإشراك به ونبذ عبادة الأصنام وهو ما يفسّر تأكيد القرآن على صراع إبراهيم مع أبيه وقومه حول الأصنام الّتي يصنعونها وكذلك تأكيده على أنّ إبراهيم ليس بيهوديّا ولا نصرانيّا بل هو حنيف مسلم، أي داع إلى توحيد الله، في محاولة لإيجاد مكانة للإسلام ضمن سلسلة الأديان الإبراهيميّة.
وفي هذا الإطار لن تختلف رسالة موسى النبي عن باقي الرّسائل الّتي سبقتها أو الّتي ستلحقها. فهي كذلك مواصلة لمسار بدأ مع نوح ووضعت أسسه مع إبراهيم وأتى موسى لتأكيده وتفصيله. ويجدر بنا الآن التّعرّض إلى الرّواية القرآنيّة لتلقّي موسى للوحي. على عكس التّوراة، لا تأتي هذه القصّة في موضع واحد بل في سور متعدّدة، تكرّر في بعض الأحيان نفسها أو تأتي بتفاصيل جديدة.
في سورة طه يفصح الله لموسى عن طبيعة مهمّته ، تتمحور هذه الأخيرة حول توحيد الله وعبادته وإقامة الصّلاة وذكره. يذكّر الله موسى في هذه السّورة بقرب السّاعة ويوم الحساب. في سورة النّمل، بعد أن أرى الله موسى آياته ومعجزاته يأمره بالذّهاب الى فرعون وقومه لفسوقهم وابتعادهم عن عبادة الله.
تتكرّر صورة فسق فرعون وقومه في سورة القصص فيأمر الله موسى أن يتوجّه إليهم ويدعوهم إلى عبادة الله يضاف في هذا المقطع سبب آخر وهو ادّعاء فرعون الألوهيّة وهو ما يجعل مهمّة موسى تتعلّق بمحاربة الشّرك وكلّ من تجرّأ على التّشكيك في وجود الله أو قوّته وألوهيّته[15]. أخيرا، تتأكّد الفكرة في سورة النّازعات أين يدعو الله موسى للذّهاب إلى فرعون حتّي “يزّكى” ويهديه إلى اللّه " فيخشى ".
عموماً ، يمكن القول أنّ للتّوراة والقرآن منطقين مختلفين في الاستشهاد بقصّة موسى. التّوراة نصّ يروي قصّة عهد بين اللّه وشعب، يتعرّض في أثناء هذه القصّة إلى ارتحال هذا الشّعب إلى مصر في لحظة أولى ثمّ خروجهم منّا في لحظة ثانية. لا يعني هذا غيابا لفكرة التّوحيد في التّوراة فهي تبقى فكرة مركزيّة أكّد عليها النّصّ مرارا عديدة إلاّ أنّ هذه الفكرة تتبلور شيئا فشيئا أثناء التّيه أين يصبح التّأكيد على وحدويّة “يهوه” أكثر اتّضاحا كلّما كلّم الله موسى وهو الأمر الّذي أصرّ عليه هذا الأخير في خطبته الأخيرة.
كذلك الأمر بالنّسبة للقرآن إذ نعثر في ثنايا النّصّ القرآني على روايات متعدّدة عن قصّة تلقّي موسى للوحي، يمكن أن نستشفّ منها أنّ مهمّة موسى تقوم أيضا على انقاذ بني إسرائيل (الشّعراء، الصّافّات…) وإلاّ لما قادهم موسى في رحلة الخروج. إلّا أنّ هذه الصّورة ، على ندرتها، تبقى ملتبسة وينقصها الوضوح مقارنة بالأولى المتعلّقة بالدّعوة إلى التّوحيد.
فيبدو أنّ مهمّة موسى حسب القرآن تتضمّن كذلك الخروج ببني إسرائيل من مصر إلّا أنّها تأتي في مرتبة ثانية من حيث الأهميّة مقارنة بدعوة فرعون إلى عبادة اللّه.
هذا - ويمكن الإستنتاج إذن أنّ هذه الاختلافات لم تكن وليدة الصّدفة أو نقص في الدقّة. أنّ القرآن لمّا تملّك قصّة موسى طوّعها بما يتناسب مع متطلّبات الإطار التّاريخيّ الّتي تنزّلت فيها، أي فترة الدّعوة المحمديّة وبذلك تكون قصّة موسى القرآنيّة إعادة قراءة أو إعادة تركيب لحكاية لا شكّ أنّ خطوطها العريضة كانت معروفة في الجزيرة العربيّة آنذاك أتى محمّد ليوظّفها لخدمة أهداف معيّنة.
لقد بدى موسى النبي في القرآن أشدّ استبسال في الدّفاع عن قضيّة محمّد أكثر من دفاعه عن قضيّة بني إسرائيل ، فالأمر الّذي أثار سخط الله وكان العامل المباشر المسؤول عن الاتّصال السّماويّ بموسى ليس استعباد بني إسرائيل من قبل فرعون بل ادّعاء هذا الأخير ورغبته في تحدّي الله واستهزائه به عندما طلب ممّن يبدون أنّه وزيره -هامان- أن يشيّد له صرحا يطّلع به إلى إله موسى. ومن ثمّ فإنّ العقاب الّذي نال مصر وفرعون ليس مردّه رفض تحرير بني إسرائيل بقدر ما هو رفض الإيمان بالله والتّعنّت في ادّعاء الألوهيّة.











إرسال تعليق