المولد والنشأة الأولى
ولد ريتشارد الأول ( قلب الأسد ) في 8 سبتمبر 1157 م ، من المحتمل في قصر بومونت ، في أكسفورد بمملكة إنجلترا ، وهو الشقيق الأصغر لويليام التاسع كونت بواتييه والملك هنري الثاني الشاب وماتيلدا دوقة ساكسونيا. ولكونه الإبن الشرعي الثالث للملك هنري الثاني ملك إنجلترا ، لم يكن متوقعًا أن يعتلي العرش.
كما كان شقيقًا أكبر لجيوفري الثاني دوق بريتاني وملكة قشتالة ، و جوان ملكة صقلية ، وجون ملك إنجلترا ، الذي خلفه على عرش إنجلترا ، أيضًا كان أخًا غير شقيق أصغر
لماري ، كونتيسة شامبين و أليكس كونتيسة بلوا.
وقد توفي الملك ويليام أكبر أبناء هنري الثاني ، وإليانورآكيتيان في عام 1156 م ، قبل مولد ريتشارد .
غالبًا ما كان ريتشارد يوصف بأنه الإبن المفضل لأمه إليانور آكيتيان.
وكان والده هو هنري نورماني - إنجوي ، وكان ينحدر من نسل ويليام الفاتح ، وقد نسب المؤرخ المعاصر لتلك الفترة رالف الديسيتوي عائلته إلى ماتيلدا ملكة إسكتلندا ، والملوك الأنجلوساكسونيين لإنجلترا ، ولألفريد العظيم ، حتى نوح ووودن ، ووفقًا للأسطورة الأنجوية ، فإنه تجري في عروقهم دماء شيطانية.
على الأرجح أنه في الوقت الذي كان أبوه يتنقل بين أراضيه من إسكتلندا إلى فرنسا، كان ريتشارد يقضي طفولته في إنجلترا.
ويرجع تاريخ أول وثيقة توثق زيارته للقارة الأوروبية إلى مايو عام 1165 م، عندما صحبته أمه إلى نورماندي ، رضع ريتشارد من إمرأة تدعى هوديرنا ، التي منحها معاشًا كريمًا عندما أصبح ملكاً ، ولا يعرف الكثير عن تعليمه ، ورغم أنه ولد في أوكسفورد وتربى في إنجلترا إلى عمر الثامنة ، إلا أنه من غير المعلوم إلى أي مدى استخدم أو فهم الإنجليزية. بينما من المعروف أنه كتب الشعر باللهجة الليموزية إحدى لهجات القسطانية ، كما كتب بالفرنسية.
ريتشارد قلب الأسد
وقد تكهن عدد من المؤلفين أن ريتشارد لم يكن يعرف الإنجليزية، إلا أن الأدلة المتاحة للمؤرخين لم تكن قاطعة في هذا الشأن ، ولا توجد كتابات معاصرة لتلك الفترة تذكر أن ريتشارد كان يجهل اللغة. وبالتأكيد ، أثناء أسر ، إستخدم ريتشارد شقيقه جون الإنجليزية في تعاملاته مع الأجانب لإنهاء سلطة مستشار ريتشارد ويليام لونغشامب النورماني. وفي إحدى التهم التي وجهها هيو نونات أسقف كوفنتري ضد لونغشامب، أنه لا يتحدث الإنجليزية ، وهذا يدل على أنه بحلول نهاية القرن الثاني عشر، أصبح واجبًا على من في السلطة في إنجلترا ، أن يكون على دراية باللغة الإنجليزية.
بالإضافة إلى ذلك ، فقد قيل أن ريتشارد كان جذابًا للغاية ، وقد كان شعره بين الأحمر والأشقر ، كما كانت عينيه براقة مع بشرة شاحبة.
ويرجح أن طوله كان أعلى من المتوسط ، فوفقًا لكليفورد بروير، فقد كان طوله نحو 192 سم ، غير أنه لا دليل على تحديد طوله على وجه الدقة. ومنذ صغر سنه، أظهر ريتشارد قدرات سياسية وعسكرية ، بدت ملحوظة وواضحة عندما قاتل النبلاء المتمردين في أراضيه ، وقد تُوّج أخاه الأكبر هنري ملكًا على إنجلترا بالمشاركة مع أبيه في حياة أبيه.
كان التحالف عن طريق الزواج شائعًا بين الأسر الملكية، فكانت تمهد للتحالفات السياسية ومعاهدات السلام ، وتفتح الباب أمام مطالبات الأسر بحق وراثة العرش في ممالك الآخرين.
تمثال ريتشارد قلب الأسد في بريطانيا
أسباب نشأة الصراعات في داخل الأسرة المالكة
لقد حدث أن تزوج هنري شقيق ريتشارد الأكبر من مارجريت - إبنة لويس السابع ملك فرنسا في 2 نوفمبر 1160 م .
ولقد كان هذا الزواج سببًا في بعض الصدامات التي كانت بين أسرتي بلانتجانت وكابيه ملوك فرنسا.
وفي عام 1168 م ، كان تدخل البابا ألكسندر الثالث ضروريًا لعقد هدنة بينهما، بعد أن غزا هنري الثاني بريتاني وسيطرت على جيزور وفيكسين ، اللتان كانتا جزءً من مهر مارجريت.
قبل ذلك بأعوام ، كان من المقترح أن يتزوج ريتشارد من أليس كونتيسة فيكسين ، رابع بنات الملك لويس السابع ، وبسبب النزاع بين ملوك إنجلترا وفرنسا ، عارض لويس الزواج.
على إثر ذلك ، فقد عُقِدَت مُعاهدة سلام في يناير 1169م ، وتمت الموافقة على خطبته لأليس.
قرر هنري الثاني تقسيم أراضيه وأراضي زوجته على أبنائه ، الذين كان عددهم ثلاثة في ذاك الوقت ، فأصبح هنري ملك إنجلترا ، وسيطر على أنغو ومين ونورماندي ، بينما حصل ريتشارد على أقطانية من والدته وأصبح كونت بواتييه ، فيما حصل جيوفري على بريتاني من خلال زواجه كونستانس ولية عهد بريتاني.
وخلال حفل خطبته لأليس ، جعل هنري ولاء أقطانية لملك فرنسا، وبذلك وطّد أواصر العلاقات بين البلدين.
في عام 1170م ، نفذ هنري الثاني خطته بتقسيم أراضيه على أبنائه عندما أحس بأن مرضه إشتد به ، مع إحتفاظه بسلطته الكاملة على أبنائه وأراضيهم.
وفي عام 1171م ، غادر ريتشارد إلى أقطانية مع والدته ، ومنحه أباه دوقية أقطانية بناءً على طلب والدته بدأ ريتشارد وأمه جولة في أقطانية لإستمالة السكان المحليين.
ثم أسسا دير القديس أوغسطين في ليموج. وفي يونيو 1172م ، تم الاحتفال بتنصيبه دوقًا على أقطانية في بواتييه ، وأعيد في ليموج حيث ارتدى خاتم القديس فاليري شفيع أقطانية.
وقائع الثورة ضد الملك هنري الثاني
وفقًا للمؤرخ رالف الكوجيشالي ، فإن هنري - الملك الشاب - كان المحرض على التمرد ضد هنري الثاني ، فقد أراد أن يحكم بشكل مستقل الأراضي التي وعده إياها أباه ، وكسر أغلال تبعيته لأبيه والسيطرة على الخزانة ، ويعتقد جان فلوري المؤرخ المتخصص في فترة القرون الوسطى ، أن إليانور شجعت أبنائها على الثورة ضد أبيهم. مما دفع هنري الملك الشاب لترك أبيه ، والذهاب للبلاط الفرنسي سعيًا وراء حماية لويس السابع ، ثم سرعان ما لحقه أشقائه الأصغر سنًا ريتشارد وجيوفري، بينما ظل جون البالغ من العمر 5 سنوات مع أبيه.
على الجانب الآخر ، فقد دعم لويس الأبناء الثلاثة ، وجعل ريتشارد فارسًا ، ليجعلهم من أتباعه. مما جعل جوردان فانت ، وقد سمي الشاعر المعاصر لتلك الأحداث يصف التمرد بأنه "حرب بلا حب ".
القلعة التي أُسِرَ فيها جيش ريتشارد الأول على يد الملك
هنري الثاني
ولقد أقسم الأشقاء الثلاثة في البلاط الفرنسي أنهم لن يعقدوا أي اتفاقات مع هنري الثاني دون الرجوع للويس السابع والبارونات الفرنسيين.
وبدعم من لويس ، جذب هنري الملك الشاب العديد من البارونات لصفه ، بعد أن وعدهم بأراض وأموال ، كان للأشقاء مؤيديهم في إنجلترا المستعدين للثورة، بقيادة روبرت دي بومونت إيرل ليشستر وهيو بيغود إيرل نورفولك وهيو دي كيفيلوك إيرل شيستر وويليام الأول ملك إسكتلندا.
وقد نجح التحالف في البداية ، وبحلول يوليو 1173م ، حاصروا أومالي ونوف-مارشيه وفرنويل ، كما سيطر هيو دي كيفيلوك على مدينة دول في بريتاني ، ذهب ريتشارد إلى بواتو لمساندة البارونات الموالين له ولأمه في تمرده على أبيه. ثم سقطت أمه في الأسر ، فإضطر ريتشارد لمواجهة مؤيدي أبيه في أقطانية وحده ، فتوجه للإستيلاء على لا روشيل ، إلا أن سكانها رفضوه ، فإنسحب إلى مدينة سانتس التي إتخذها قاعدة تنطلق منها حملاته.
في الوقت نفسه ، جهز هنري الثاني جيشًا من 20,000 من المرتزقة لمواجهة التمرد. فتوجه نحو فرنويل ، فإنسحب لويس بقواته ، ثم إستولى على دول وسيطر على بريتاني - عندئذٍ ، قدّم هنري الثاني عرضًا للسلام مع أبنائه ، إلا أنهم بنصيحة من لويس ، رفضوا العرض ، إستولى هنري الثاني بعدئذٍ على سانتس وأسر معظم حاميتها ، وفر ريتشارد في مجموعة صغيرة من الجند ، ثم لجأ إلى قلعة تيليبورغ باقي الحرب.
وقدد خطط هنري الملك الشاب وكونت الفلاندرز للرسو بقواتهم في إنجلترا لدعم قوات إيرل ليشستر - ولتوقعه ذلك - عاد هنري الثاني لإنجلترا مع 500 جندي وأسراه (بما في ذلك إليانور وزوجات أبنائه وخطيباتهم) ، ولكن عند وصوله وجد أن التمرد قد انهار بالفعل ، فقد أسر ويليام الأول ملك إسكتلندا وهيو بوغارد في 13 و25 يوليو على التوالي ، فعاد هنري الثاني إلى فرنسا ، حيث رفع حصار روان ، فلحق هنري الملك الشاب بلويس السابع بعد أن تخلى عن خطته لغزو إنجلترا - وبهزيمة لويس - تم التوقيع على معاهدة سلام مونتلويس في سبتمبر 1174.م
عندما دخل هنري الثاني ، ولويس السابع في الهدنة يوم 8 سبتمبر 1174م ، إستثني ريتشارد من الهدنة على وجه الخصوص.
وبعد أن هجره لويس ، وخوفًا من مواجهة جيش والده في معركة ، ذهب ريتشارد إلى بلاط هنري الثاني في بواتييه في 23 سبتمبر ، وتوسل طالبًا المغفرة وبكى وسقط تحت أقدام هنري ، الذي منح ريتشارد قبلة السلام ، وبعد عدة أيام ، سعى إخوة ريتشارد سعيه في مصالحة والدهم ، وقد قبل الأشقاء الثلاثة بشروط صلح أقل سخاءً من تلك التي عرضها عليهم أبيهم من قبل ، مُنح ريتشارد قلعتين في بواتو ونصف دخل أقطانية ، ومُنح هنري الثاني الملك الشاب قلعتين في نورماندي ، وجيوفري نصف دخل بريتاني ، بينما ظلت إليانور أسيرة هنري الثاني حتى وفاته ، كتأمين لضمان التزام ريتشارد بالصلح.
فترة الهُدنة
بعد إنتهاء التمرد ، بدأت عملية تهدئة الأوضاع في المقاطعات التي تمردت على هنري الثاني ، فسافر إلى أنجو لهذا الغرض وتعامل جيوفري مع بريتاني.
وفي يناير 1175، تم إرسال ريتشارد لأقطانية لمعاقبة البارونات الذين قاتلوا من أجله.
ووفقًا للمؤرخ روجر الهوديني - مؤرخ عهد الملك هنري - فقد أعيدت معظم القلاع التي استولى عليها المتمردون إلى الحالة التي كانت عليها قبل 15 يومًا من اندلاع الحرب ، بينما كان لابد من نسف بعضها. كان من الشائع في تلك الفترة بناء القلاع من الحجر، وقد قام العديد من البارونات بتوسيع أو تحصين قلاعهم ، وهي مهمة لم تكن سهلة ، ونظرًا لنجاحه في حملته تلك ، إكتسب ريتشارد لقب "ريتشارد قلب الأسد" ، وكانت أولى نجاحاته حصار قلعة سور أَجِيٌن ، التي عرفت بأنها من القلاع القوية، ولكن بعد حصار مدته شهرين ، إستسلم المدافعون لريتشارد.
التمرد ضد ريتشارد
في عامي 1181-1182 م ، واجه ريتشارد تمردًا في مقاطعة أنغوليم ، ولجأ خصومه إلى فيليب الثاني ملك فرنسا للحصول على الدعم ، ودار القتال في ليموزا وبيريغورد. اتهم ريتشارد بارتكاب أعمال وحشية ضد رعاياه ، بما في ذلك الإغتصاب ، ولكن مع دعم أبيه وشقيقه هنري الملك الشاب ، نجح ريتشارد في إخضاع التمرد ، وفي يونيو 1183م ، توفي هنري الملك الشاب.
وبوفاة هنري الملك الشاب ، أصبح ريتشارد الابن الأكبر ووريث التاج الإنجليزي.
التحالف بين ريتشارد وفيليب الثاني
ولتقوية مركزه ، في عام 1187م تحالف ريتشارد مع فيليب الثاني ، ابن زوج أمه السابق لويس السابع ملك فرنسا ، وقد كتب المؤرخ روجر الهوديني قائلاً :
{ وقد أصابت ملك إنجلترا دهشة كبيرة ، وتساءل ما معنى ذلك [يعني التحالف] ، وإتخذ احتياطاته المستقبلية ، فأرسل رسلاً إلى فرنسا لإستدعاء إبنه ريتشارد الذي تظاهر بميله للسلام ، وإستعداده للقدوم إلى والده ، وإتخذ طريقه إلى شينو ، وبدلاً من توجهه بعهدته من الكنوز الكثيرة إلى والده ، وتحصينه القلاع في بواتو ، رفض أن يذهب إلى والده ريتشارد الأول ملك إنجلترا } .
خاتم الملك ريتشارد قلب الأسد
وعمومًا ، فقد تناول الهوديني بالدرجة الأولى العلاقات السياسية بين ريتشارد والملك فيليب ، بينما تناول المؤرخ جون جيلينغهام نظريات تشير إلى وجود علاقة جنسية بينهما ، مستدلاً بوثيقة تشير - كرمز للوحدة بين البلدين - إلى كون الاثنان كانا يناما في سرير واحد ، وصف جيلينغهام ذلك بأنه " فعل مقبول سياسيًا، لا يمت للاتصال الجنسي بصلة؛ ... تمامًا كالتقاط الصور في العصر الحديث ".
كما قدم ريتشارد ولائه لفيليب في نوفمبر 1188م - وفي العام التالي ، حاول ريتشارد الوصول لعرش إنجلترا من خلال الإنضمام إلى حملة فيليب على إنجلترا.
وفي 4 يوليو 1189م ، هزم ريتشارد وقوات فيليب جيش هنري الثاني في بالانز ، فوافق هنري مع رضا جون ، على تسمية ريتشارد خليفة له - وبعد يومين - توفي هنري الثاني في شينون ، وخلفه ريتشارد كملك على إنجلترا ، وكدوق لنورماندي وكونت لأنجو.
في ذات السياق ، أعلن ريتشارد رسمياً دوق نورماندي في العشرين من يوليو عام 1189 م ، ثم توّج ملكاً في دير وستمنستر في الثالث من سبتمبر من نفس العام ، وقد منع ريتشارد جميع اليهود والنساء من حضور مراسم التتويج ، على الرغم من ذلك ، حضر بعض قادة اليهود مقدمين له الهدايا ، ووفقاً للمؤرخ رالف ديكيتو ، قام أتباع ريتشارد ، بضرب وجلد اليهود وتجريدهم مما بحوزتهم - ومن ثم - طردهم إلى الخارج.
في خلال تلك الفترة ، إنتشرت شائعة بعد ذلك تفيد بأن ريتشارد قد أمر بقتل جميع اليهود. فقام سكان لندن بإرتكاب مجزرة بحقهم ، تعرض الكثير منهم للضرب حتى الموت، وللسرقة، كما حرق بعضهم أحياء ، هدمت العديد من منازلهم ، وتعرض بعضهم للتعميد قسراً، إتخذ بعضهم من برج لندن ملاذاً ، بينما فرّ الآخرون للحفاظ على حياتهم ، إدّعى البعض أن مرتكبي هذه الجرائم كانوا مجرد مواطنين غيورين ومتعصبين ، وأن الملك ريتشارد قام بمعاقبتهم ، كما قام بالسماح لليهود الذين أجبروا على ترك دينهم بالعودة إلى اليهودية.
يشار هنا أيضاً إلى أن مشاركة ريتشارد في الجرائم ضد اليهود لم يثبت قط.
ريتشارد قلب الأسد والحرب ضد اليهود
شعر ريتشارد بأن هذه الإعتداءات قد تزعزع من إستقرار مملكته قبيل رحيله للمشاركة في الحملة الصليبية الثالثة ، لذلك أمر ريتشارد بإعدام المسؤولين عن أفظع جرائم القتل والإضطهاد ، من ضمنهم من أحرق بعض منازل المسيحيين عن طريق الخطأ ـ وأصدر مرسوماً ملكياً يطالب بترك اليهود بشأنهم ، وعدم الإعتداء عليهم ، على الرغم من ذلك ، وقد إستمرت الاعتداءات في شهر مارس مثل مجزرة يورك التي وقعت في 16 مارس 1190 م ، والتي تعتبر واحدة من أبشع المجازر وأشرسها.
ريتشارد قلب الأسد والإستعداد للحملات الصليبية
بعد أن أصبح ريتشارد ملكًا ، وافق هو وفيليب ، على الذهاب في الحملة الصليبية الثالثة، لأن كليهما خشى أن يغتصب الآخر أراضيه في غيابه. وبدأ في تجهيز الجيش الصليبي الجديد ، فأنفق معظم ما في خزانة والده (الممتلئة بالأموال التي جمعتها عشور صلاح الدين) ، وزاد الضرائب ، وحتى وافق على إطلاق سراح الملك ويليام الأول ملك إسكتلندا نظير قسمه بأن يدفع لريتشارد 10,000 قطعة فضية.
ولجمع المزيد من الأموال ، باع العديد من الألقاب الرسمية والامتيازات والأراضي للراغبين ، كما إضطر من يحملون ألقابًا بالفعل لدفع مبالغ ضخمة للاحتفاظ بمناصبهم. فدفع ويليام لونغشامب أسقف إيلي ، ومستشار الملك 3,000 قطعة فضية للإحتفاظ بمنصبه كمستشار للملك.
كما قام ريتشارد بعض الترتيبات النهائية في أراضيه في القارة، فعيّن ويليام فيتزرالف حاكمًا على نورماندي.
وفي أنجو - أقال ستيفن التوري من منصبه كحاكم، وسجنه مؤقتًا لسوء إدارته المالية ، واستبدله بباين دي روشفور.
وفي بواتو - عين بيتر بيرتن حاكمًا، وفي غاسكونية ، اختار لها هيلي دي لا سيل حاكمًا ، ثم انطلق في الحملة الصليبية في صيف 1190م ، وعين هيو دي بوسيه أسقف دورهام و ويليام دي ماندفيل إيرل إسكس كأوصياء على العرش ، ولكن سرعان ما توفي الأخير وخلفه مستشار ريتشارد ويليام لونغشامب ، وهي القرارات التي لم ترض جون شقيق ريتشارد.
في السياق ذاته ، فقد إنتقد بعض المؤرخين ريتشارد لقضاء ستة أشهر فقط من حكمه في إنجلترا، ومصّ موارد المملكة لدعم حملته - فيقول المؤرخ ويليام ستابس :
{ ريتشارد الأول ملك إنجلترا كان ملكًا سيئًا. إلا أن مآثره العظيمة كمهارته العسكرية وسخائه وتذوقه للشعر وروحه المغامرة، لم تشفع له ليتعاطف معه شعبه. لم يكن إنجليزيًا ، لكن ذلك لا يعني أنه منح نورماندي أو أنجو أو أقطانية الحب أو الرعاية التي حرم منها مملكته ، كان طموحه كمحارب : أن يقاتل من أجل أي شيء أيا كان، لكنه على إستعداد لأن يبيع أي شيء قاتل من أجله - كان المجد الذي سعى خلفه هو النصر لا الفتح } .
وقد تذرع ريتشارد بأن إنجلترا "باردة والسماء تُمطر دومًا" ، وعندما كان يجمع الأموال لحملته ، قال أنه "على إستعداد تام لبيع لندن لمن يشتري" - ومع ذلك - على الرغم من إنجلترا مثلت قيمة كبيرة وجزءً كبيرًا من أراضيه، وبالأخص لأنها منحته لقب ملكي جعله على قدم المساواة مع الملوك الآخرين ، لم توجه إنجلترا له أي تهديدات داخلية أو خارجية كبيرة خلال فترة حُكمه ، على عكس أراضيه في القارة ، لذا لم تتطلب حضوره الدائم هناك - وكمعظم ملوك بلانتاجانت قبل القرن الرابع عشر - لم يكن في حاجة لإستخدام اللغة الإنجليزية على نطاق واسع. وبتركه البلاد في أيدي عدة مسؤولين (بما فيهم والدته)، أصبح ريتشارد أكثر قلقًا على أراضيه الفرنسية الواسعة. وبعد كل تجهيزاته تلك ، أصبح لديه جيشًا من 4,000 رجل مثقل بالأسلحة، و4,000 جندي مشاة وأسطولاً من 100 سفينة.
وقائع إحتلال صقلية
توج تانكريد ملكاً على صقلية عام 1189م - بعد وفاة ويليام الثاني على الرغم من أن كونستانس زوجة الإمبراطور هنري السادس كانت الوريثة الشرعية للحكم ، زج الملك تانكارد الملكة جوان بالسجن ، ورفض إعطائها ميراثها المُستحق ، وهي أرملة ويليـــام ، وأخت ريتشارد.
وفي سبتمبر 1190 م ، وصل كل من ريتشارد وفيليب إلى جزيرة صقلية ، وفور وصول ريتشارد طالب تانكارد بإطلاق سراح أخته وإعطائها الميراث ، خرجت جوان من السجن في 28 سبتمبر ، ولكن تانكارد رفض إعطائها ميراثها.
شعر سكان مسينا بالضيق نتيجة تواجد قوات أجنبية على أرضهم، فثاروا مطالبين بخروجهم ، فهاجم ريتشارد مدينة مسينا ، وإستولى عليها في الرابع من أكتوبر عام 1190م وبعد سلب ونهب وحرق المدينة ، أسس ريتشارد قاعدة له فيها. خلق هذا العمل حالة من التوتر بين ريتشارد وفيليب.
بقي ريتشارد في صقلية حتى وافق تانكارد أخيراً على توقيع معاهدة ، وقد تم توقيع المعاهدة في 4 مارس 1191م بين كل من ريتشارد وفيليب وتانكارد ، كانت شروطها الأساسية : أن تحصل جوان على 20,000 أونصة من الذهب تعويضاً لها على الميراث الذي لم يعطها إياه تانكارد.
أعلن ريتشارد رسمياً ابن أخاه آرثر دوق بريتاني ولي عهده ووريث حكمه، وعلى تانكارد أن يعده بتزويج آرثر إحدى بناته عندما يبلغ سن الرشد.
بقي ريتشارد وفيليب في صقلية بعضاً من الوقت ، مما أدى إلى زيادة حدة التوتر بينهما ، حتى أن فيليب أراد التآمر مع تانكارد على ريتشارد ، لكن الخصومة انتهت عند لقائهما حيث توصلا إلى إتفاقية ، تضمنت إنهاء خطبة ريتشارد لأليس شقيقة فيليب.
وقائع غزو قبرص
في أبريل 1191 م ، خرج ريتشارد بأسطوله الكبير من مسينا متوجهاً إلى عكا. لكن الأسطول تعرض إلى عاصفة أدت إلى تفريقه - وبعد البحث - إكتشف ريتشارد أن القارب الذي أقلّ أخته وخطيبته برنجاريا قد رسى على الساحل الجنوبي لجزيرة قبرص جنباً إلى جنب مع حطام بقية السفن ، وقد تعرض الناجون من الحادث للأسر من قبل الحاكم إسحاق كومنينوس.
وقد وصل أسطول ريتشارد في الأول من مايو عام 1191 م - إلى ميناء ليماسول في قبرص. طلب ريتشارد من إسحاق إطلاق سراح السجناء ، إلّا أن طلبه قوبل بالرفض. ردًا على ذلك، استولى ريتشارد على ليماسول ، ثم وصل عدد من الأمراء إلى ليماسول، وكان من ضمنهم غي دي لوزينيان ، وأعلن الجميع دعمهم لريتشارد الذي قام بدوره بدعم غي دي لوزينيان ضد غريمه كونراد من مونفيراتو.
وقد نبذ البارونات المحليون إسحاق ، الذي اعتبروه صانع السلام مع ريتشارد والذي وافق على المشاركة في الحملة الصليبية وعلى تزويج ابنته من ريتشارد ، لكن إسحاق غير رأيه ، وحاول الهرب - أما ريتشارد - فقد بدأ حملة الإستيلاء على الجزيرة بأكملها مستعينًا بقواته تحت قيادة غي دي لوزينيان ، إستسلم إسحاق.
ومع حلول الأول من يونيو ، كان ريتشارد قد سيطر على قبرص بأكملها ، ثم باع ريتشارد الجزيرة لفرسان الهيكل ، ثم أصبحت قبرص في عام 1192 م - تحت حكم غي دي لوزينيان الذي جعل منها مملكة إقطاعية مستقرة.
ولقد كان الغزو السريع لقبرص مهماً جداً بالنسبة للأوروبيين، لكونها تحتل الجزيرة موقعاً إستراتيجياً واقعاً على الممرات المائية على طريق الأراضي المقدسة ، والتي كان من المستحيل إحتلالها بدون الدعم القادم من البحار. وقد ظلت قُبرص معقلاً للمسيحية حتى معركة ليبانتو عام 1571م ، وقد ساهم غزو ريتشارد لجزيرة قبرص في زيادة شهرته، كما أنه أَمَدٌَهُ بمكاسب مالية كبيرة ، ثم غادر ريتشارد مع حلفائه إلى عكا في الخامس من شهر يونيو عام 119م .
الإستيلاء على عكا
لقد ساهم ريتشارد وقواته في الإستيلاء على عكا ، رغم مرضه الشديد. في النهاية، تفاوض كونراد من مونفيراتو مع صلاح الدين على شروط الإستسلام ورفع رايات الملوك على المدينة ، وقد حدث أن إختلف ريتشارد مع ليوبولد الخامس دوق النمسا حول مشاركة إسحاق كومنينوس حاكم قبرص في الحملة الصليبية ، رفع ليوبولد رايته في مستوى الرايتين الإنجليزية والفرنسية ، ففسر ذلك ريتشارد وفيليب أنها غطرسة، فليوبولد تابع للإمبراطور الروماني المقدس (على الرغم من أنه الزعيم الأعلى رتبة من بين القوات الإمبراطورية) ، مزق رجال ريتشارد الرَاية ، ورموها في خندق عكا. فغادر ليوبولد الحملة الصليبية الثالثة فورًا ، ثم غادر فيليب بعد ذلك بوقت قصير ، وهو في حالة صحية سيئة ، وبعد مزيد من النزاعات مع ريتشارد حول وضع قبرص (طالب فيليب بنصف الجزيرة) ، وتملك أورشليم ، ليجد ريتشارد نفسه فجأة ، بلا حُلفاء.
دور ريتشارد قلب الأسد في الحملة الصليبية الثالثة
لقد إستبقى ريتشارد 2,700 أسير مسلم كرهائن ضد صلاح الدين الأيوبي للوفاء بجميع شروط إستسلام الأراضي حول عكا ، وقبل أن يغادر فيليب، سلّم أسراه إلى كونراد، لكن ريتشارد أجبره على تسليمهم له ، خشي ريتشارد أن يعرقله الأسرى عن التحرك بقواته من عكا ، فأمر بإعدامهم جميعًا - ثم إتجه جنوبًا - وهزم قوات صلاح الدين الأيوبي في معركة أرسوف في 7 سبتمبر 1191م . وفي نوفمبر 1191م ، بعد الإستيلاء على يافا ، تقدم الجيش الصليبي نحو القدس ، وصل إلى بيت نوبا ، على بعد 12 ميل من القدس.
ولقد كانت معنويات المسلمين في القدس منخفضة جدًا خشية سقوط المدينة بسرعة. إلا أن الطقس الذي كان سيئًا باردًا مع أمطار غزيرة وعواصف، وهذا بالإضافة لخوفه من أن يحاصر جيشه في القدس ، دفعاه للانسحاب والعودة إلى الساحل. ثم حاول التفاوض مع صلاح الدين الأيوبي ، إلا أنه لم ينجح في ذلك. وفي النصف الأول من عام 1192م ، حصّن هو وجنوده عسقلان.
ولقد إضطر ريتشارد بقبول كونراد كملك لأورشليم بعد أن تم انتخابه، ثم باع قبرص لغي دي لوزينيان.
وبعد أيام في 28 أبريل 1192م ، إغتيل كونراد على أيدي الحشاشين قبل تتويجه. وبعد ثمانية أيام ، تزوج ابن شقيقته هنري الثاني كونت شامبين من الأرملة إيزابيلا ملكة أورشليم ، رغم حملها في ابن كونراد. لم يُعرف من وراء الجريمة، إلا أن المؤرخين يشتبهون في تورط ريتشارد.
تقدم الجيش الصليبي مرة أخرى نحو القدس في يونيو 1192م ، ورغم ان المدينة كانت على مرمى البصر ، إلا أنهم إضطروا للإنسحاب بسبب الخلافات بين قادة الجيش. كان ريتشارد ومعظم قادة الجيش يريدون إجبار صلاح الدين الأيوبي على التخلي عن القدس من خلال مهاجمة قاعدة سلطانه مصر. في حين أصر قائد القوات الفرنسية هيو الثالث دوق بورجوندي على أن الهجوم المباشر على القدس يجب أن يتم ، قسّم هذا الشقاق الجيش الصليبي إلى فصيلين ، ليس في قدرة أحدهما ، فرض رأيه على الآخر. وقال ريتشارد أنه سيُصاحب أي هجوم على القدس فقط كجندي بسيط ، ورفض قيادة الجيش ، ودون قيادة موحدة ، إضطر الجيش للإنسحاب والعودة إلى الساحل.
المواجهة بين ريتشارد قلب الأسد وصلاح الدين الأيوبي
لقد بدأت فترة من المناوشات البسيطة مع قوات صلاح الدين في الوقت الذي تفاوض فيه ريتشارد وصلاح الدين الأيوبي على تسوية الصراع ، كما علم ريتشارد ، بأن فيليب وشقيقه جون بدئا في التآمر ضده - ومع ذلك - فقد أصر صلاح الدين الأيوبي ، على هدم تحصينات عسقلان ، التي صنعها رجال ريتشارد، وعدد قليل من النقاط الأخرى ، حاول ريتشارد محاولة أخيرة لتعزيز موقفه التفاوضي بمحاولة غزو مصر ، لكنه فشل.
في النهاية ، نفد الوقت أمام ريتشارد ، وأدرك أنه ليس بإمكانه تأجيل عودته ، وتوصل مع صلاح الدين الأيوبي على تسوية في 2 سبتمبر من عام 1192م ، إشتملت على هدم تحصينات عسقلان ، والسماح للحجاج والتجار المسيحيين بدخول القدس ، كما تضمنت هدنة لمدة ثلاث سنوات.
وقائع أسر الملك ريتشارد والعودة منها
تصور للإمبراطور هنري السادس وهو يسامح ريتشارد ، تعود لنحو عام 1196.
أجبر الطقس السيء سفينة ريتشارد على أن تحط في كورفو ، في أراضي الإمبراطور البيزنطي إسحاق الثاني ، الذي اعترض على ضم ريتشارد لقبرص التي كانت أرض بيزنطية مسبقًا ، مُتنكرًا في زي فرسان الهيكل ، أبحر ريتشارد مع أربع مرافقين من كورفو ، غير أن سفينته تحطمت قرب أكيليا، مما أجبره على رحلة خطرة في وسط أوروبا.
وفي طريقه عبر أراضي زوج شقيقته هاينريش الأسد ، أسر ريتشارد قبل عيد الميلاد عام 1192 م - بوقت قصير قرب فيينا من قبل ليوبولد الخامس دوق النمسا ، الذي اتهم ريتشارد بالترتيب ، لقتل إبن عمه كونراد من مونفيراتو ، وعلاوة على ذلك ، فقد أهان
ريتشارد ليوبولد شخصيًا ، بإنزال رايته من فوق أسوار عكا.
واقعة سجن الملك ريتشارد
سجن ليوبولد ريتشارد في قلعة دورنشتاين ، وصل خبر تحطم سفينة ريتشارد إلى إنجلترا، إلا أن الأوصياء على عرشه ظلوا لعدة أسابيع غير متيقنين من مكان وجوده. أثناء وجوده في السجن ، كتب ريتشارد أغنية "Ja nus hons pris" ("لا يوجد رجل مسجون") ، التي وجهها إلى أخته غير الشقيقة ماري كونتيسة شامبين ، كتبها بالفرنسية والقسطانية ، للتعبير عن مشاعر الهجر من قبل شعبه وأخته ، كان إحتجاز المشاركين في الحملات الصليبية مخالفًا للقانون العام، وعلى هذه الأسس حرم البابا سلستين الثالث الدوق ليوبولد كنسيًا.
في 28 مارس 1193 م ، تم تسليم ريتشارد للإمبراطور هنري السادس ، الذي كان متضررًا من دعم أسرة بلانتيجانت لأسرة هاينريش الأسد ، وأيضًا من اعتراف ريتشارد بتانكريد ملكًا على صقلية، فسجنه في قلعة تريفلز.
كان هنري السادس في حاجة للمال لتجهيز جيش للمطالبة بحقوقه في جنوب إيطاليا ، فإحتجز ريتشارد لكي يحصل على فدية. مما دفع البابا سلستين الثالث لحرمان هنري السادس أيضًا كنسيًا لاحتجازه غير المشروع لريتشارد ، رفض ريتشارد تقديم التحية للامبراطور، وقائلاً : " لقد ولدت في رتبة لا تعترف بأن أحدًا يفوقها إلا الله " ، وعلى الرغم من شكواه ، لم تكن ظروف إحتجازه شديدة.
وقد طلب الإمبراطور 150,000 قطعة فضية فدية لإطلاق سراح ريتشارد ، وهو ما يعادل ما جمعته عشور صلاح الدين قبل ذلك بأعوام، ومن 2–3 أضعاف دخل إنجلترا في ذلك الوقت ، وهو ما قدره المؤرخ ديفيد بويل بحوالي ملياري جنيه إسترليني بأسعار عام 2011م . عملت أمه على جمع الفدية، حتى أنها صادرت بعض ممتلكات الكنائس. وفي الوقت نفسه ، عرض شقيقه جون والملك فيليب الثاني ملك فرنسا على الإمبراطور 80,000 قطعة فضية لتأخير إطلاق ريتشارد حتى نهاية سبتمبر 1194م ، لكن الإمبراطور رفض العرض.
في ذات السياق ، أرسلت أموال الفدية مع سفراء الإمبراطور عبر ألمانيا، وفي 4 فبراير 1194م ، أطلق سراح ريتشارد ، فأرسل فيليب إلى جون قائلاً: «انتبه إلى نفسك ، فقد أطلق الشيطان ".
في الفترة التي غاب فيها ريتشارد ، ثار أخوه جون بمساعدة فيليب الثاني ، الذي كان قد إستولى على نورماندي بينما كان ريتشارد في السجن ، وقد غفر ريتشارد لجون ما فعل ، عندما إلتقيا مرة أخرى ، تَمَاشياً مع الضرورة السياسية ، كما جعل جون وريثه بدلاً من إبن أخيه آرثر.
وفي عام 1196م - ظهرت فجوة جديدة في الدفاعات النورماندية ، قام ريتشارد بإستغلالها في بناء موقع جديد يبني فيه قلعة جديدة من أجل الدفاع عن دوقية نورماندي ، ولإستخدامه كقاعدة يبدأ منها حملته لإستعادة مقاطعة فيكسين من الفرنسيين.
وقد إختير هذا الموقع على ضفاف نهر السين، في قصور أنديلي. بموجب شروط صلح اللوفر بين ريتشارد وفيليب في ديسمبر عام 1195م ـ لم يكن مسموحاً لكلا الملكين بتحصين هذا الموقع ، على الرغم من ذلك ، أراد ريتشارد بناء قلعة غايّار : Chateau Gaillard هناك ، حاول ريتشارد الحصول على تلك القصور من خلال المفاوضات ، لكن رئيس الأساقفة والتر دي كوتانس كان متردداً في بيعها ، حيث كانت تلك القصور إحدى أكثر الأبرشيات ربحاً للأموال ، كما أن بقية الأبرشيات كانت قد تعرضت للدمار خلال الحروب.
وعندما حاصر فيليب الثاني منطقة أومال في نورماندي، نفذ صبر ريتشارد وإستولى عليها، على الرغم من معارضة الكنيسة لذلك. أصدر والتر دي كوتانس حرماناً بحق دوقية نورماندي ، ومنع من تقديم الخدمات الكنسية فيها يقول المؤرخ روجر الهوديني: «ظلت جثث الموتى ملقاة في الشوارع دون أن تدفن في مدن نورماندي».
ولكن الحرمان ألغي من قبل البابا سلستين الثالث في شهر أبريل من عام 1197 م بعدما قدم ريتشارد هدايا لوالتر كان من ضمنها أبرشيتين وميناء كبير في دييب.
في عهد ريتشارد ، إنخفض الإنفاق الملكي على بناء القلاع مقارنة بعهد والده هنري الثاني، ويعزى ذلك إلى تركيز إنفاق الموارد على حروب ريتشارد مع ملك فرنسا. إلّا أن بناء قلعة غايّار كلّف 15-20 ألف جنيه إسترليني في الفترة ما بين 1196-1198، فكانت بذلك واحدة من أكثر القلاع كلفة في ذلك الوقت، حيث كانت تكلفة القلاع التي بناها ريتشارد في إنجلترا حوالي 7 آلاف جنيه إسترليني ، وهي بذلك أقل من نصف تكلفة قلعة غايّار. كما أن سرعة بنائها لم يسبق لها مثيل ، حيث بنيت في عامين تقريبا، بينما كان بناء القلاع الأخرى يستغرق حوالي العقد من الزمان.
ووفقًا للمؤرخ الإنجليزي ويليام بارفوس، أنه في شهر مايو من عام 1198 م ، هطل على ريتشارد والعاملين بالبناء مطر غزير من الدم ، فظنّ البعض أنه نذير شؤم،إلّا أن ريتشارد لم يأبه به ، ويقول ويليام «لم يتأثر الملك بما حصل، ولم يسمح بالتهاون في العمل ولو بمقدار ذرة ، بل واصل عمله بسعادة. وإن لم أكن مخطئًا، حتى لو نزل ملك من السماء ليؤخر البناء لاضطر للعن ريتشارد لأنه لن يوافق على ذلك. "
هذا - ولم يرد في أي مصدر تاريخي ، ما يفيد ذكر تفاصيل عن المُشرف الذي تولى عملية بناء القلعة.
قلعـــــــة جَـــايــــار
هذا - وتقول المؤرخة ألين براون أن المشرف على البناء كان الملك ريتشارد بنفسه ، يدعم هذا الرأي الاهتمام الذي أبداه ريتشارد خلال زياراته المتكررة للقلعة أثناء بنائها أصبحت القلعة في سنوات ريتشارد الأخيرة مكان إقامته المفضل ، وكانت قلعة غايّار سابقة لعصرها ، مُتضمنة إبتكارات إعتمدت في عمارة القلاع لقرن تلاها من الزمان. وصفتها المؤرخة ألين بأنها أحد أفضل قلاع أوروبا في زمانها.
ويقول المؤرخ العسكري البريطاني تشارلز أومان : " تعتبر قلعة غايّار تحفة عصرها. ستبقى سمعة ريتشارد كمهندس عسكري عظيم ثابتة بسببها ، لم يكن ريتشارد مجرد مقلد لما رآه في الشرق ، بل إبتكر بنفسه تفاصيل أدخلها على بناء هذه القلعة. "
عزم ريتشارد على مقاومة أطماع فيليب الثاني بالأراضي المتنازع عليها مثل مقاطعة فيكسين ، حيث أخرج كل ما في جعبته من خبرة عسكرية وموارد هائلة في وجه ملك فرنسا ، فقام ريتشارد بصنع تحالف ضد فيليب مكون من بالدوين التاسع كونت فلاندرز ، ورينو كونت بولوني ، وسانشو السادس ملك نافارا الذي داهم أراضي فيليب من الجنوب ، والأهم من ذلك كله ، إستطاع ريتشارد تأمين ميراث فلف في ساكسونيا لابن أخته أوتو حاكم بواتو ، الذي أصبح إمبراطوراً رومانياً مقدساً (بإسم أوتو الرابع) عام 1198م . ونتيجة لهذه التحالفات وغيرها من المكائد ، إنتصر ريتشارد على فيليب في عدة مناسبات.
على إثر ذلك ، فرّ فيليب من فريتفال (الواقعة في وسط فرنسا) في عام 1194م فور عودة ريتشارد من الأسر تاركاً أرشيفاً كاملاً من المراجعات المالية والوثائق التي حصل عليها ريتشارد.
وفي معركة غيزور ( تسمى أيضاً بمعركة كورسيل ) في عام 1198 م ، إتخذ ريتشارد من عبارة الرب وحقى وتعني بالفرنسية : Dieu et mon Droit شعاراً له (وهو ما زال مستخدماً كشعار للملكية في المملكة المتحدة).
في شهر مارس من عام 1199 م ، قام ريتشارد بقمع الثائرين في ليموزا ، وعلى الرغم من أن ذلك الوقت كان وقت الصوم الكبير، إلّا أن ريتشارد "دمّر الأرض بالنار والسيف". ثم حاصر قلعة شالو شابرول التي كانت ضعيفة ومنزوعة السلاح تقريباً. يقول بعض المؤرخين أن ريتشارد حاصرها لأنّ أحد الفلاحين المحليين كان قد أخبره عن وجود كنز مدفون من الذهب الروماني ، الذي إدّعى ريتشارد أحقيته في الحصول عليه بصفته سيداً أعلى على الإقطاعية.
وفي مساء اليوم الخامس والعشرين من مارس عام 1199م ، كان ريتشارد يتجول حول محيط القلعة بدون ارتداء درعه، يتحقق من وضع جنوده المتواجدين فوق جدران القلعة.
كان الملك ريتشارد يقضي وقتاً ممتعاً وهو ينظر إلى أحد الجنود الذي كان يحمل القوس والنشاب بيد واحدة ، صوّب هذا الجندي القوس تجاه ريتشارد ، وقد لاقى هذا الفعل إستحساناً من قبل الملك ، إلّا أن رجلاً آخر رمى الملك بسهم ضرب كتفه الأيسر بالقرب من عنقه ، أٌدخل الملك خيمته وقام الجرّاح (الذي وصفه البعض بالجزّار) بإزالة السهم بطريقة غير إحترافية على الإطلاق ، ما أدى إلى تحول الجرح بشكل سريع إلى غنغرينة.
هذا - ويقال أن ريتشارد طلب إحضار قاتله إليه الذي إختلف في إسمه ، فقيل بيير أو بيتر، وقال البعض أن إسمه جون ، وعندما وقف بين يدي ريتشارد ، اتضح له (وفقاً لبعض المصادر وليس جميعها) أنه مجرد صبي. ادّعى هذا الصبي أن ريتشارد كان قد قتل أباه وأخويه ؛ فأراد قتل ريتشارد انتقاماً لذلك ، إعتقد الصبي أنه سيتعرض للإعدام ، لكن ريتشارد أراد أن يكون رحيماً وهو على وشك توديع الحياة ، فسامح الصبي على فعلته وقال له : " أكمل حياتك ، وبفضلي سترى نور الغد " ، وقبل إطلاق سراح الصبي ، أمر بإعطائه 100 شلن ، قام ريتشارد ، بتوريث جميع أراضيه لأخيه جون ، أما المجوهرات ، فورثها لإبن أخته أوتو.
وفاة الملك ريتشارد الأول
لقد توفي الملك ريتشارد قلب الأسد في السادس من أبريل عام 1199م - في أحضان والدته ، وصفت وفاته بمصطلح الأسد الذي قٌتل من النملة ، وذلك يعزى إلى طريقة قتله. يقول أحد المؤرخين : " أثبت ريتشارد في آخر أعماله أن الشهامة كانت غير مثمرة خلال العصور الوسطى بهمجيتها ووحشيتها ، حيث قام المرتزق الشائن ميركادير بسلخ جلد قاتل ريتشارد وتعليقه على القلعة فور وفاة ريتشارد ".
إرسال تعليق