تابع
: مصر في عصور الإحتلال
ثالثاً – الإحتلال الإسلامي لمصر
[ عصر
الدولة الفاطمية ]
( عصر الخلافة الإسلامية
الشيعية )
مقدمة في تاريخ الدولة الفاطمية
يُعتَبرُ عبيد الله بن الحسين المهدي - هو المؤسسَ الفعلي لسلالةِ الفاطميين - وهي الدولة الشيعيّة الوحيدة التي حكمت عموم المسلمين على غرار الخلافة الأموية والعباسية ، وأَسّستْ حُكُمَ الفاطميون في كافة أنحاء مُعظم شمال أفريقيا .
وقد أشار المؤرخون فى مدوناتهم ، أن عبيد الله بن الحسين المهدي هو مؤسس السلالةِ الفاطمية ، والإمام الحادي عشر للشيعة الإسماعيلية المشهور أنه عبيد الله بن الحسين الزكي عبد الله ، والمتفق عليه عند الشيعة الإسماعيلية .
وقد أيده المقريزي ، وإبن خلدون ـ وبناء على هذا ـ يرجع نسبه إلى فاطمة الزهراء ، إبنة محمد صاحب شريعة الإسلام ، من خلال الحسين بن علي .
وقد أنكر بعض المؤرخين نسبه إلى فاطمة الزهراء - أمثال إبن حزم والسيوطي ، وغيرهما ، وإنكار نسبه بدأ بصفة عامة في عام 1011م ، عندما أصدرَ الخليفة العباسي في بغداد وثيقة وقّعت مِن قِبل العلماءِ السنّةِ والشيعةِ المُخْتَلِفينِ في بغداد ، تدّعي بأنّ السلالةَ الحقيقية له مِنْ ديصان ، بدلاً مِنْ بنت رسول الله فاطمة الزهراء - وبالتالي - لا يستطيع أحد القطع برأي حاسم في نسب "عبيد الله المهدي"، فإن الشيعة الإسماعيلية يؤكدون صحة نسبه إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، في حين يذهب بعض المؤرخون من أهل السُنّة وبعض خصوم الفاطميين من الشيعة إلى إنكار نسب عبيد الله إلى علي بن أبي طالب - ولكن على أية حال - نحن أمام رجل يسمى عبيد الله ، ويدّعي أنه صاحب الحق في إمامة المسلمين ، وأنه من سلالة الإمام جعفر الصادق .
لقد تطلع الفاطميون إلى فتح مصر ، فتكررت محاولتهم لتحقيق هذا الحلم ، غير أنها لم تكلل بالنجاح ، وقد بدأت هذه المحاولات منذ عام 301هـ = 913م - أي بعد قيام الدولة بأربع سنوات - الأمر الذي يؤكد مدى عزم الخلفاء الفاطميين على بسط نفوذهم على مصر ، وكان فشل كل محاولة يقومون بها ، تزيدهم إصرارا على تكرارها ، ومعاودتها مرة بعد مرة ، وقد نبهت هذه المحاولات الخلافة العباسية إلى ضرورة درء هذا الخطر ، فدعمت وجودها العسكري في مصر ، وأسندت ولايتها إلى محمد بن طغج الإخشيدى ، فأوقفت تلك المحاولات إلى حين .
وقائع الأزمة الكبرى في مصر
ولقد كانت مصر خلال هذه الفترة تمر بمرحلة عصيبة ، فالأزمة الإقتصادية تعصف بها والخلافة العباسية التي تتبعها مصر عاجزة عن فرض حمايتها لها بعد أن أصبحت أسيرة لنفوذ البويهيين الشيعة ، ودعاة الفاطميين يبثون دعوتهم في مصر ، وجاءت وفاة كافور الأخشيدى سنة (357هـ = 968م) ، لتزيل آخر عقبة في طريق الفاطميين إلى غايتهم ، وكان كافور بيده مقاليد أمور مصر ، ويقف حجر عثرة أمام طموح الفاطميين للاستيلاء عليها .
وحين تولى زمام الأمور أبو الفضل جعفر بن الفرات ، ولم تسلس له قيادة مصر ، وعجز عن مًكافحة الغلاء الذي سببه نقص ماء النيل ، وإضطربت الأحوال ، وضاق الناس بالحكم ، كتب بعضهم إلى المعز يزينون له فتح مصر ولم يكن هو في حاجة إلى من يزين له الأمر؛ إذ كان يراقب الأوضاع عن كثٌب ، ويمني نفسه باللحظة التي يدخل فيها مصر فاتحاً ، فيحقق لنفسه ما عجز أجداده عن تحقيقه .
ولقد ىكان أمل الفاطميين - التوسع شرقا ومجابهة الخلافة العباسية للقضاء عليها - وإذا كانت دعوتهم قد أقاموها في أطراف العالم الإسلامي حتى تكون بعيدة عن العباسيين ، فإن ذلك لم يعد مقبولا عندهم بعد أن قويت شوكتهم وإتسع نفوذهم ، وأصبحت الفرصة مواتية لتحقيق الحلم المنشود ، والتواجد في قلب العالم الإسلامي .
بداية العصر الفاطمي في مصر
وقد بدأ الفاطميون إستعدادهم للإنتقال إلى مصر منذ سنة ( 355هـ = 966م ) ، وبدأوا فى إتخاذ كافة الإجراءات التي تعينهم على تنفيذ ذلك ، فأمر المعز لدين الله الفاطمى بحفر الآبار في طريق مصر ، وبناء الإستراحات على طوال الطريق ، وعهد إلى إبنه " تميم " بالإشراف على هذه الأعمال .
جوهر الصقلي ودوره في إرساء قواعد الدولة الفاطمية في مصر
لقد أجمع المؤرخون على أن بداية الخلافة الفاطمية ، كانت بداية مختلفه عن جميع الخلافات الاسلامية التى بدأت قبلها ، أوظهرت بعدها - حيث جمع الفاطميين فى بداية حكمهم بإستخدام رجال ذو خبره ومهاره فى إدارة شئون البلاد بغض النظر عن دينهم أو عروبتهم ، فمثلاً لم يكن ( جوهر الصقلى ) عربياً ، ولكنه كان أسيراً (عبداً يونانياًً) -قُدم هدية إلى الخليفة المعز ، وكان يطلق عليه فى بعض الأحيان "جوهر الرومى" , ومن الرجال الذين عاونوا المعز يعقوب إبن كلس - وهو يهودى الأصل - كان يعيش فى بغداد ولما كان اليهود يعشقون المال ، فقد إعتنق الإسلام بـــهدف الحصول على أكبر قدر منه ، فرحل إلى مصر فى عهد كافور الإخشيدى ويذكر المؤرخ إبن قلانس قصة إسلامه فيقول : أن يعقوب إبن كلس كان واسع الحيلة والدهاء ، ويروى أن كافور قال عنه يوماً : لو كان مسلماً لإستوزرته ، فلما سمع يعقوب ذلك دخل مسجداً فى يوم الجمعة ، ونطق بالشهادتين ، ومالبث أن هرب إلى المغرب ، وعاون الفاطميين على فتح مصر ، وقد جعله المعز اكبر مستشارية وعينه أميناً على بيت المال ، وقد بدأ نظام الحكم الإسلامى يتغير ، وبما أن عماد قوة الحكم الإسلامى هو الجيش لتحقيق السيطرة على الشعوب فقدبدأ تكوينه من عناصر غير عربية ، حيث أعتمد المعز على المماليك أو العبيد ليتكون منهم جيشه وكانوا أكثر ولاءا من بنى جنسه ، ولم يوليهم إقطاعات ، بل كانوا يعتمدون فى دخلهم على عطاءه لهم ، وقال المؤرخون أن عدد جيشه كان أكثر من 100 ألف ، ولأول مرة نجد قائداً غير عربى لجيش أسلامى هو جوهر الصقلى بعد أن كان المسلمون يعطون الوظائف الصغبرة فى الجيش للموالى المسلمون - أى غير العرب مثل المشاة لأن الفارس يأخذ ثلاثة أضعاف أو أكثر من أغنام الحرب .
وقد ذكر "المقريزى" فى كتابه فقال : " ومنهم معد ولم تكن جيوشه تُعدّ ، ولا لما أوتيه كان حد من كل ما يسعد فيه جدّ وحتى قيل : إنه لم يطأ الأرض بعد جيش الإسكندر بن فليبس المقدوني أكثر عددًا من جيوش المعز ، فلما قام في الخلافة بمصر من بعده إبنه العزيز بالله أبو منصور نزار استخدم الديلم والأتراك ، وإختص بهم " .
" أن خزانة الخاص حملها لما خرج العزيز إلى الشام عشرون ألف جمل خارجًا عن خزائن القواد وأكابر الدولة " .
" أن عبيد السيدة أم المستنصر بالله أبي تميم معدّ بن الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن عليّ بن الحاكم بأمر الله أبي عليّ منصور بن العزيز بالله خاصة كانت عدّتهم خمسين ألف عبد سوى طوائف العسكر ، ورأيت بخط الأسعد بن مماتي أن عدة الجيوش بمصر في أيام رزيك بن الصالح طلائع بن رزيك كانت أربعين ألف فارس وستة وثلاثين ألف راجل وزاد غيره وعشرة شوانيُ بحرية فيها عشرة آلاف مقاتل وهذا عند انقراض الدولة الفاطمية ، فلما زالت دولتهم على يد السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب أزال جند مصر من العبيد السود والأمراء المصريين والعربان والأرمن وغيرهم وإستجدّ عسكرًا من الأكراد والأتراك خاصة وبلغت عدة عساكره بمصر اثني عشر ألف فارس لا غير ، فلما مات افترقت من بعده ولم يبق بمصر مع إبنه الملك العزيز عثمان سوى ثمانية آلاف فارس وخمسمائة فارس إلا أن فيهم من له عشرة أتباع وفيهم من له عشرون وفيهم من له أكثر من ذلك إلى مائة تبع لرجل واحد من الجند ، فكانوا إذا ركبوا ظاهر القاهرة يزيدون على مائتي ألف ، ثم لم يزالوا في افتراق واختلاف حتى زالت دولتهم بقيام عبيدهم المماليك الأتراك فحذوا حذو مواليهم بني أيوب واقتصروا على الأتراك وشيء من الأكراد ، وإستجدوا من المماليك التي تجلب من بلاد الترك شيئًا كثيرًا حتى يقال : إنّ عدة مماليك الملك المنصور قلاوون كانت سبعة آلاف مملوك ويقال : اثني عشر ألفًا وكانت عدة مماليك ولده الأشرف خليل بن قلاوون ـ إثني عشر ألف مملوك لم تبلغ بعد ذلك قريبًا من هذا إلى أن زالت دولة بني قلاوون في شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة بالملك الظاهر برقوق ، فأخذ في محو المماليك الأشرفية وأنشأ لنفسه دولة من المماليك الجركسية بلغت عدّتهم ما بين مُشترى ومُستخدم أربعة آلاف أو تزيد قليلا ، فلما قدم من بعده ابنه الناصر فرج افترقوا ، وإختلفوا فلم يقتل حتى هلك كثير منهم بالقتل وغيره " .
كما جاء عن تاريخ " جوهر الصقلي " - أيضاً - في بعض المصادر التاريخية الأخرى ، أنه كان للمعز والياً إسمه جوهر ، وكان المعز كلما أراد أن يفعل شيئاً يؤثر على المصريين وحياتهم كان جوهر يمنعه بلطف وسياسة ويقول له : " إن أهل مصر قوم فيهم مكر وفطنة يعرفون كل شئ ولا يخف عنهم مجهول فكأنهم يعلموا الغيب " ، فقال له : " يا جوهر إذا كان ما يقال عنه فطنة المصريين صحيح فأنا أريد أن أجربهم " ثم أمر المعز أن يأخذ المنادى ،كبير من الورق مثل سجل ، ويطوى بلا كتابة بداخـله ويختــم ( الختم إما بالرصاص أو الشمع وعليه خاتم الخليفة ) ، وكتب الكاتب العنوان الخارجى بإسم الخليفة ، ثم أمر بضرب البوق قدام المنادى الذى يحمل الدرج ليجمع الناس ليحضروا لسماع سجل وأوامر الملك وأمر جواسيس يمشوا خلفة ويسمعوا ما يقوله أهل مصر ورجعوا جواسيسه وقالوا : " بعض الناس قالوا : هلم نسمع سجل الخليفة – ورد بعضهم وقالوا : " لا تتعبوا أنفسكم إن كل ما فيه من كلام فارغ فى فارغ " ، فلما سمع المعز تعجب من ذلك جداً .
" وسار المعز بعساكره من المغرب حتى نزل بالجيزة ، فعقد له جوهر جسرًا جديدًا عند المختار بالجزيرة فسار عليه وقد زينت له مدينة الفسطاط فلم يشقها ودخل إلى القاهرة بجميع أولاده وإخوته وسائر أولاد عبيد الله المهدي وبتوابيت آبائه وذلك لسبع خلون من رمضان سنة أثنتين وستين وثلثمائة فعندما دخل القصر صلى ركعتين فاقتدى به من حضر ،وبات به ثم أصبح فجلس للهناء وأمر فكتب في سائر مدينة مصر: {خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأثتب اسم المعز لدين الله واسم أبيه المصلى فسبح في كل ركعة وفي كل سجدة ثلاثين تسبيحة ثم خطب بعد الصلاة وركب لفتح خليج مصر يوم الوفاء وعمل عيد غدير خم ومات بعض بني عمه فصلى عليه وكبر سبعًا وكبر على ميت آخر خمسًا } وقدمت القرامطة إلى مصر ، فسير إليهم الجلوس ، وهزموهم ، وما زال إلى أن توفي من علة إعتلها بعد دخوله إلى القاهرة بسنتين وسبعة أشهر وعشرة أيام وعمره خمس وأربعون سنة وستة أشهر تقريبًا ، فإن مولده بالمهدية في حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلثمائة ووفاته بالقاهرة لأربع عشرة خلت من ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلثمائة وكانت مدة خلافته بالمغرب وديار مصر ثلاثًا وعشرون سنة وعشرة أيام وهو أول الخلفاء الفاطميين بمصر وإليه تنسب القاهرة المعزية لأن عبده جوهر القائد بناها حسب ما رسم له كما ذكر في خبر بنائها ".
جوهر الصقلي وبناء القاهرة
الجامع الأزهر
من أشهر آثار العصر الفاطمي الإسلامية
لقد أرسل المعز لدين الله إلى مصر واحدا من أكفأ قادته - ألا وهو جوهر الصقلي - الذي نجح من قبل في بسط نفوذ الفاطميين في الشمال الأفريقي كله ، وخرج المعز في وداعهم في يوم 14من ربيع الأول 358هـ = 4 من فبراير 969م ولم يجد الجيش مشقة في مهمته ودخل عاصمة البلاد في 17 من شعبان 358هـ = 6 يوليو 969م دون مقاومة تذكر ، وبعد أن أعطى الأمان للمصريين .
فترة إزدهار الدولة الفاطمية
لقد نجح أحد دعاته أبو عبد الله الشيعي ، في إقامة دولة بإسمه في إقليم إفريقية ، وجزء كبير من المغرب الأوسط - ثم ذهب المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر ، وتم تأسيس مدينة القاهرة على يد جوهر الصقلي .
1 - فترة خلافة عبد الله المهدي
خرج عبيد الله المهدي من مكمنه في " سلمية " من أرض حمص ببلاد الشام في سنة (292 هـ = 905م) ، وإتجه إلى المغرب ، بعد الأنباء التي وصلته عن نجاح داعيته أبي عبد الله الشيعي في المغرب ، وإلحاح كتامة القبيلة البربرية في إظهار شخصية الإمام الذي يقاتلون من أجله ، وبعد رحلة شاقة نجح عبيد الله المهدي في الوصول إلى " سجلماسة " ، متخفياً في زي التجار، وإستقر بها .
ومن ملجئه في سجلماسة في المغرب الأقصى أخذ عبيد الله المهدي يتصل سرًا بأبي عبد الله الشيعي الذي كان يطلعه على مجريات الأمور ، ثم لم يلبث أن إكتشف " اليسع بن مدرار" أمير سجلماسة أمر عبيد الله ؛ فقبض عليه وعلى ابنه "أبي القاسم" وحبسهما ، وظلا في السجن حتى أخرجهما أبو عبد الله الشيعي بعد قضائه على دولة الأغالبة .
وكان أبو عبد الله الشيعي حين علم بخبر سجنهما قد عزم على السير بقواته لتخليصهما من السجن ، فإستخلف أخاه "أبا العباس" ، وإتجه إلى سجلماسة ، ومر في طريقه إليها على "تاهرت" حاضرة الدولة الرستمية ، فإستولى عليها ، وقضى على حكم الرّستميين ، وبلغ سجلماسة - فحاصرها - حتى سقطت في يده ، وأخرج المهدي وإبنه من السجن .
ويذكر المؤرخون أن أبا عبد الله الشيعي حين أبصر عبيد الله المهدي ترجّل ، وقابله بكل إحترام وإجلال ، وقال لمن معه : { هذا مولاي ومولاكم قد أنجز الله وعده وأعطاه حقه وأظهر أمره } .
وأقام أبو عبد الله الشيعي وعبيد الله المهدي في سجلماسة أربعين يوماً ، ثم رحلوا عائدين فدخلوا رقادة في يوم الخميس الموافق (20 من شهر ربيع الآخر 297هـ = 7 من يناير 910م) ، وخرج أهل القيروان مع أهل رقادة يرحبون بالإمام المهدي ، وفي يوم الجمعة التالي أمر عبيد الله أن يُذكر إسمه في الخطبة في كل من رقادة والقيروان ، معلناً بذلك قيام الدولة الفاطمية وقد إختطّ عبيد الله المهدي مدينة المهديّة وجعلها عاصمة لدولته بحكم موقعها المميّز، إذ أنها عبارة عن شبه جزيرة متصلة بالبر من جهة واحدة ، فأنشأ فيها قصره ، ثمّ قصر ولده القائم بأمر الله ، كما أحاطها بسور منيع لدرء الحملات البحرية .
وإلى جانب المهدية أقام المهدي زويلة التي بدأت أولاً بوصفها سوقاً عامةً يجتمع فيها تجار القبائل فيبيعون ويشترون ، وأرادها أن تكون - بالإضافة إلى دورها الإقتصادي - تجمعاً تختلط فيه القبائل ، وتشترك في معاشها إمعاناً في تحصين المهدية وحمايتها ولقد إستهدف عبيد الله الفاطمي منذ أن بويع بالخلافة ، وإستقامت له الأمور أن يدعم مركزه ، وأن تكون كل السلطات في يديه ، وأن يكون السيد المطلق على الدولة الناشئة والدعوة الإسماعيلية .
وكان لابد من أن يصطدم مع أبي عبد الله الشيعي مؤسس الدولة ، ولم يجد غضاضة في التخلص منه بالقتل في سنة (298هـ = 911م) بعد أن أقام له دعائم ملكه ، وأنشأ دولة بدهائه وذكائه قبل سيفه وقوته ، إلا أنه من ناحية أخرى شهد جنازته وإثنى عليه وذكر فضله .
الدولة الفاطمية في أقصى إتساع لها
2 - فترة خلافة عبيد الله المهدي وأحداث الفتنة الكبرىوقد أثار مقتل أبي عبد الله الشيعي فتنة كبرى ، قام بها أتباعه من أهل كتامة ، وقدّموا طفلاً ادعوا أنه ( المهدي المنتظر ) ، وإمتدت هذه الدعوة وقويت ، واضطر عبيد الله إلى إرسال حملة قوية إلى أرض كتامة بقيادة ابنه لقمع هذه الفتنة ، فألحق بهم الهزيمة ، ويرد لدى بعض المؤرخين أنه قتل الطفل الذي ولّوه بإسم : " المهدي " .
3 - فترة خلافة القائم بالله
وبعد فترة حكم ناهزت ربع قرن من الزمان – توفي الخليفة الفاطمي عبيد الله المهدي في (15 من ربيع الأول 322 هـ = 5 من مارس 934م) ، وخلفه إبنه محمد القائم بأمر الله .
وكانت فترة عبيد الله المهدي بمثابة عهد التأسيس وإرساء القواعد ، بعد عهد التمهيد والإعداد على يد الداعي أبي عبد الله الشيعي .
وفي عهده بل في نفس العام الذي تولى فيه الحكم توجه جيش الفاطميين إلى الإسكندرية في مصر التي كانت تحت حكم الإخشيد ، ولكن لحقت بالفاطميين هزيمة ولم يتمكنوا من دخولها .
وفي عهده أيضاً - غزا الأسطول الفاطمي جنوة الإيطالية وجزيرة سردينيا .
وفي عهده كانت مقاتلة ثورة الخوارج التي كانت بزعامة إبن كيداد في وادي الملح ، ولكن بقتل القائد الفاطمي ، ويستمر إبن كيداد في توسعاته .
توفي القائم عام 334 هجري ، وخلفه إبنه المنصور إسماعيل .
هو إسماعيل بن محمد بن عبيد الله الملقب بالمنصور بالله تولى حكم الدولة الفاطمية بعد وفاة أبيه القائم بأمر الله عام 334 هجرية ، وهو الإمام الثالث عشر في سلسلة أئمة الإسماعيلية .
هذا - ولم تدم فنرة خلافته طويلاً - حيث مات في عام 341 هجرياً .
4 - فترة خلافة المُعز لدين الله الفاطمي
هو " مُعد المعز لدين الله المعز أبو تميم معدّ بن منصور " (حوالي 932م - القاهرة 975م) .
وهو رابع الخلفاء الفاطميين في إفريقية ( تونس حاليا ) ، وأول الخلفاء الفاطميين في مصر والإمام الرابع عشر من أئمة الإسماعيلية حكم ، وقد أرسل أكفأ قواده وهو جوهر الصقلي للإستيلاء على مصر من العباسيين ، فدخلها ، وأسس مدينة القاهرة بالقرب من الفسطاط والتي تعتبر أول عاصمة للعرب في مصر .
بوابة الفتوح بالقاهرة
من أعمال عصر المعز لدين الله الفاطمي
وقد ولى المعز لدين الله الخلافة الفاطمية خلفاً لأبيه المنصور أبي طاهر إسماعيل ، الخليفة الثالث في قائمة الخلفاء الفاطميين ، وكان المعز رجلاً مثقفاَ يجيد عدة لغات مولعاً بالعلوم والآداب متمرسا بإدارة شئون الدولة ، وتصريف أمورها كيساً فطناً ، يحظى بإحترام رجال الدولة وتقديرهم .
وقد إنتهج المعز سياسة رشيدة ، فأصلح ما أفسدته ثورات الخارجين على الدولة ، ونجح في بناء جيش قوي ، وإصطناع القادة والفاتحين ، وتوحيد بلاد المغرب تحت رايته وسلطانه ومد نفوذه إلى جنوب إيطاليا .
ولم تغفل عينا المعز لدين الله عن مصر ، فكان يتابع أخبارها ، وينتظر الفرصة السانحة لكي يبسط نفوذه عليها ، متذرعا بالصبر ، وحسن الإعداد ، حتى يتهيأ له النجاح والظفر.
كما كان للمعز لدين الله إلى جانب إهتمامه بالعقيدة والفلسفة والأدب - إهتمامات علمية جعلت مجلسه يعجّ بالعلماء والأطباء والفنانين .
ولى المعز لدين الله الخلافة الفاطمية خلفاً لأبيه المنصور أبي طاهر إسماعيل ، الخليفة الثالث في قائمة الخلفاء الفاطميين ، وكان المعز رجلاً مثقفاً يجيد عدة لغات مولعاً بالعلوم والآداب متمرساً بإدارة شئون الدولة وتصريف أمورها كيساً - فطناً - يحظى بإحترام رجال الدولة وتقديرهم .
وإنتهج المعز لدين الله الفاطمى سياسة رشيدة ، فأصلح ما أفسدته ثورات الخارجين على الدولة ، ونجح في بناء جيش قوي ، وإصطناع القادة والفاتحين وتوحيد بلاد المغرب تحت رايته وسلطانه ومد نفوذه إلى جنوب إيطاليا .
ولم تغفل عينا المعز لدين الله عن مصر ، فكان يتابع أخبارها ، وينتظر الفرصة السانحة لكي يبسط نفوذه عليها ، متذرعاً بالصبر ، وحسن الإعداد ، حتى يتهيأ له النجاح والظفر.
أهم الأحداث المعاصرة لحكم المعز لدين الله الفاطمي
واقعة نقل جبل المقطم
من المعروف أن الحاكم المعز لدين الله الفاطمي كان محباً لمجالس الأدب ، ومولعاً بالمناقشات الدينية - ولهذا - كان يجمع رجال الدين من المسلمين والمسيحيين واليهود للمناقشة في مجلسه شريطة أن يتقبل الجميع مايثار بلا غضب أو انفعال أو خصام ، وكان من ضمن أفراد هذا المجلس رجل يهودي إعتنق الإسلام لكي يصبح وزيرا في الدولة هو 'يعقوب بن كلس' ويتردد أنه في إحدي هذه الجلسات التي كانت تضم الجميع.. بطريرك الأقباط في ذلك الوقت الأنبا ابرام السرياني ، والوزير يعقوب بن كلس اليهودي الأصل ومعه زميل له يدعي موسي ، وفي هذه الجلسة حاول اليهوديان أن يوقعا الحاكم مع الأقباط - فقالا للحاكم بأننا وجدنا في إنجيل النصاري آية تقول : " ان من له إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلي هناك فينتقل ولا يكون شيئاً غير ممكن " ، وبالتالي فعليك بصفتك الحاكم أن تطلب من البابا البطريرك أن ينقل الجبل الجاثم شرق القاهرة ، وإن لم يستطع يكون دينهم باطلا ويجب إبادتهم ! .
وقبل أن ينفض المجلس طلب الخليفة المعز من البابا إبرآم السرياني إثبات صحة هذه الآية أي اثبات إمكانية نقل جبل المقطم إذا صحت الآية - وبعد أن صلي البطريرك - طلب من الخليفة مهلة ثلاثة أيام حتي يثبت له هذه المعجزة .
ورجع البابا ليجمع شعبه ويطلب منهم الصوم ثلاثة أيام مع الصلاة المستمرة ، وإعتكف هو ورجال الدين داخل كنيسة العذراء بالمعلقة ، وفجر اليوم الثالث ظهرت السيدة العذراء للبابا أثناء غفوته وأخبرته بأن يخرج إلي الشارع فسيجد رجلاً يحمل جرة ماء وبعين واحدة ، إن هذا الرجل ستتم المعجزة علي يديه.. وأسرع البابا إلي الشارع ناحية السوق فوجد فعلا رجلاً بهذه الأوصاف فأمسك به وأدخله الكنيسة وأخبره بأن اختير لتقع معجزة نقل جبل المقطم علي يديه واضطرب الرجل وأخبر البابا بأنه رجل فقير ويعمل اسكافيا فكيف يقع الاختيار عليه؟! ، ولكن البابا البطريرك أكد له أن السيدة العذراء ظهرت لتبلغه بهذا الأمر ، ووافق الرجل واشترط أن يتكتم حقيقة أمره طالما هو حي علي الأرض .
ولقد كان هذا الرجل يدعي سمعان الخراز نسبة إلي مهنته التي كانت موزعة بين دباغة الجلود والاسكافي وهو من يقوم بإصلاح الأحذية.. المهم انه طلب من البابا البطريرك أن يصعد إلي الجبل ومعه رجال الدين حاملين الأناجيل والصلبان والشموع ، وأيضاً المجامر مملوءة بالبخور ويقفون في جانب أعلي الجبل وأن يصعد الخليفة وحاشيته ورجال الدولة أعلي الجانب المقابل من الجبل ، وأن يصعد الشعب أيضاً ليري ويشاهد الجميع هذه المعجزة التي وعد بها الرب .
وفي الموعد المحدد - أي بعد ثلاثة أيام من الصوم والصلاة - خرج الخليفة المعز من داره ممتطياً جواده وخلفه حشد كبير من حاشيته ورجال الدولة متوجها إلي جبل المقطم وهناك وجد في إنتظاره البابا ابرآم السرياني ومعه رجال الكنيسة والشعب خلفه.. وقف الخليفة ومن معه علي جانب من الجبل ، وعلي الجانب المقابل وقف البابا ابرام ورجال الكنيسة والشعب خلفه وكان من ضمن أفراد الشعب سمعان الخراز الذي وقف خلف البابا مباشرة .
وبعد أن قام البابا بالصلاة طلب من شعبه أن يرددوا كلمة 'كيريالسيون' , وهي كلمة باللغة القبطية معناها يارب ارحم اربعمائة مرة ، بواقع مائة مرة كل جهة من الجهات الأربع شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ، وبعدها سجد البابا وشعبه ثلاث مرات ، وعندئذٍ شعر الجميع بزلزلة غاية في القوة تجتاح الجبل .
وفي كل سجدة يتحرك الجبل ، ومع كل قيام يرتفع الجبل إلي أعلي وتظهر الشمس من تحته ثم يتحرك من مكانه إلي هذا المكان الذي إستقر به ، قال المعز لدين الله " عظيم هو الله تبارك إسمه " ، وما إن هدأت الامور حتي تلفت البابا باحثا عنه سمعان الخراز فإكتشف انه إختفي تماماً .
ويدعى من يررد هذه القصة أن الجبل إنتقل فعلاً من بركة الفيل بالسيدة زينب إلي هذا المكان ليفسح مساحة كبيرة ، إستطاع الخليفة المعز أن يعمرها ، وتظهر القاهرة الحالية ، وردت قصه نقل جبل المقطم في كتابات المؤرخ الانجليزى الفريد بتلر .
5 - فترة خلافة العزيز بالله بن المعز لدين الله الفاطمي
هو العزيز بالله نزار بن معد بن إسماعيل (المهدية 344 هـ/955 م - القاهرة 386 هـ/ 15 996 م) هو خامس الخلفاءالفاطميين والإمام الخامس عشر من أئمة الإسماعيلية .
ومما يذكر من أحداث في عهده ، خروج حملة ضد الروم الذين إستولوا على حلب عام 386 هجري .
وقد لعبت المرأة دورًا مهما في حياة الخليفة الفاطمي العزيز بالله ، وبالرغم من أن المرأة ساهمت بنصيب كبير في سياسة البلاد الداخلية والخارجية في العصر الفاطمي، فإنها نالت في عهد الخليفة العزيز مكانة لم تحظ بها في أي من العهود السابقة .
ومن النساء الولاتي أثرن فى حياة الخليفة العزيزبالله .
السيدة المعزية أم الخليفة العزيز، زوجة الخليفة المعز لدين الله، والتي تلقبت بـأم الأمراء وإسمها " تغريد " وقيل وهي "أم ولد" من أصل عربي ، وقد تزوجها الخليفة المعز بالمغرب قبل أن يأتي إلى مصر ، وكان لها نشاط تجاري واسع في مصر ، وبالرغم من أنه لم يكن لها أي دور سياسي معروف فإن الخليفة المعز كان يتشاور معها في بعض الأمور السياسية على نحو ما يذكر المقريزي.
كما كانت لزوجته السيدة العزيزية مكانة كبيرة في حياته ، وكان لها أثر كبير في كثير من السياسات التي إنتهجها العزيز ؛ فقد كانت تلك السيدة مسيحية على المذهب الملكاني - مذهب الكنيسة القسطنطينية ، وهي ( أم ست الملك ) أخت الحاكم بأمر الله لأبيه ، وكان لهذه السيدة سلطان كبير على الخليفة العزيز ؛ وهو ما جعله يرفع أخويها إلى أرقى المناصب الكنسية فعين أخاها "أُرِيسْتس" مطراناً على بيت المقدس سنة (375هـ = 985م) ، وعين أخاها الآخر أرسانيوس مطراناً على القاهرة ، ثم أصبح بطريركاً على القاهرة بعد ذلك .
أما ست الملك إبنة الخليفة العزيز بالله وأخت الخليفة الحاكم بأمر الله ، فقد حظيت بمكانة عالية لدى أبيها الذي أحاطها بكل أسباب الترف والثراء ، حتى إنه بنى لها القصر الغربي لتعيش فيه بمفردها ، وكانت تمتلك ثروة كبيرة من التحف الثمينة والجواهر النفيسة ، ولها إقطاع في ضياع الصعيد والوجه البحري ، فضلاً عما كانت تملكه من الدور والبساتين .
لقد شهد عصر العزيز بالله العديد من مظاهر العمران والنهضة الحضارية التي شملت الكثير من العلوم والفنون والآداب ، وكان من أبرز الآثار المعمارية التي أنشأها العزيز قصر اللؤلؤة الذي شيده على النيل ، كما إهتم كذلك بالقصر الشرقي الكبير الذي أسسه جوهر الصقلي ، والذي يعد من أعظم عمائر الفاطميين .
وكانت القاهرة طوال العصر الفاطمي هي مركز الدعوة الإسماعيلية في العالم الإسلامي وقد تركزت هذه الدعوة في بداية الأمر في الأزهر ، وشهدت بداية خلافة العزيز بالله أولى حلقات الدراسة في الجامع الأزهر ، حيث جلس القاضي علي بن النعمان في سنة (365هـ = 975م) ليملي مختصرا في الفقه على جمع كبير من العلماء والكبراء .
كما شهدت الفنون المتطورة إزدهاراً كبيراً في العصر الفاطمي ، حتى بلغت أقصى درجات الجودة والإتقان ، ومن ذلك صناعة الخزف والمصنوعات الزجاجية ، وخاصة في عهد الخليفة العزيز بالله .
إنجازات وأعمال الخليفة المعز لدين الله الفاطمي
كما أنشأ المعز لدين الله الفاطمي ملحقاً بقصره ضم مكتبة ضخمة ، عرفت بكونها أكبر مكتبة في التاريخ الإسلامي ضمت مجموعة هائلة من ملايين المجلدات والكتب في شتي العلوم والآداب ، لكن هذه المكتبة احترقت ودمرت وضاعت منها مئات آلاف الكتب والمجلدات حين وقع الخلاف بين الجنود السودانين والأتراك في عام 1068م - حين لم يتمكن الخليفة آنذاك من دفع رواتب الجند، فهجموا علي المكتبة وأتلفوا محتوياتها ، وأشار القلقشندي إلى نهاية المكتبة بقوله : ( وكانت من أعظم الخزائن، وأكثرها جمعًا للكتب النفيسة من جميع العلوم ، ولم تزل على ذلك إلى أن انقرضت دولتهم (أي دولة الخلفاء الفاطميين)" .
وقد شهدت مصر كذلك في عهده إستقرارا ملحوظا ونهضة إقتصادية ورواجاً تجارياً فضلا عن النهضة العمرانية العظيمة وإنشاء العديد من المساجد والأربطة والمدارس ، والاهتمام بالحدائق والبساتين وتشييد القصور الأنيقة والمباني الفخمة ؛ وهو ما يعكس حياة الترف والرفاهية التي إتسم بها عهد خلافة العزيز بالله .
وصل ملك الروم إلى حلب ، فإستولى على ما فيها ، ثم اتجه إلى حمص فإستولى عليها وسار إلى طرابلس فحاصرها أربعين يوما دون أن يتمكن من فتحها، حتى اضطر إلى العودة إلى بلاده مرة أخرى .
وعندما علم العزيز بما حدث عظم ذلك عليه، ونادى في الناس بالخروج للقتال ، وفتح خزائنه ، فأنفق منها على التجهيز للحرب، وأعد أسطولا حربيا جمع له العدد والآلات والأسلحة اللازمة .
ولكن حدثت مجموعة من الكوارث العجيبة والأحداث الغريبة ، فقد إحترق الأسطول الذي أنفق الكثير من الجهد والمال لتجهيزه قبل أن يخرج للقتال ، فتمّ صنع أسطول آخر، فلما خرج إلى البحر هبت ريح قوية ، فتحطم الأسطول وغرق عدد كبير من الجنود .
ولكن ذلك كله لم يجعل الوهن أو اليأس يتسرب إلى نفس العزيز بالله ، ولم يضعف ذلك من عزيمته ، فخرج في جيوش هائلة إلى بلاد الشام لينتقل منها إلى أرض الروم.
ولم يكن يدري أن ساعات قليلة تفصل بين يومه الذي يحياه وغده الذي لن يراه؛ فقد اشتد عليه مرض "القولنج" الذي أصابه ببلبيس عند خروجه من مصر وتزايد عليه حتى أودى بحياته في ( 28 من رمضان 386هـ= 15 من أكتوبر 996م ) ، وهو في الرابعة والأربعين من عمره .
إرسال تعليق