تاريخ الأقباط ما قبل المسيحية
مقدمة
لقد عُرِفَت مصر قديماً ، لدى شعوب البلاد السامية المجاورة لها ، بإسم (مصر) في اللغة الآشورية ، وبإسم (مصرين) في اللغة الآرامية ، وبإسم (مصرايم) في اللغة العبرانية.
هذا - كما عُرفت مصر أيضاً لدى الشعوب العربية بإسم (مصر).
وكلمة (مصر) في اللغات السامية كانت تأتي بمعني الحد أو الحدود.
وقد أطلقت الشعوب السامية من آشوريين وآراميين وعبريين وفرس وروم وعرب علي البلاد المتاخمة لهم كلمة مصر.
كما أطلق الأقباط على مصر قديماً إسم (حى كا بتاح) باللهجة البحيرية ، و(حاكوبتاح) باللهجة الصعيدية ، كما أطلقوا على منطقة وادى النيل إسم :[كيمى] - أي السواد - والتي تُعنى الأرض السوداء.
كما عرفها الآشوريين بإسم (هي كو بتاه) ، وهو الإسم الذي كان مشتق من نطق المصريين علي عاصمة ملكهم والإسم الاصلى حاكو بتاح منف ، ومعناها "بيت روح بتاح".
وقد سمع اليونانيين عنهم هذا الإسم منذ عصور قديمة وأخذوه عنهم فأسموها ايجيبتوس وقد ورد هذا الاسم مرات عدة في شعر هومير وحذف العرب علامة الرفع في اليونانية "وس" ، ثم الحركة الأولي التي ظنها العرب حرف إستهلال ، فخلص لنا إسم (القبط).
أصول الجنس لقدماء الأقباط
يُشكل الأقباط في العصر الحاضر ، الأكثرية العددية بالنسبة إلي سكان مصر ، وبالرغم من دخول أجناس كثيرة إلى مصر إلا أنها لم تؤثر في النسبة الإجمالية من عدد السكان إلا بحوالى 2% من الأجناس الواردة بفعل الإحتلال المسمى خطأ "فتوحات" ، والهجرات المختلفة ، وذلك وفقاً لما جاء في كتاب : " موسوعة شخصية مصر " - للدكتور جمال حمدان ، وبناء على ماتقدم ، فيكون معظم القبط الموجودين الآن في مصر ، والذين يشكلان على الإجمال جميع مواطنيها من مسلمين ومسيحيين ، هم الأكثرية العددية في القطر المصري ، بينما الأجناس الوافدة على مر التاريخ لم تؤثر في الجنس المصري ، إلا بالنذر اليسير.
وهنا لابد من ملحوظة مهمة وهي أن كلمة "قبط" يجب أن تطلق على المصريين جميعا مسلمين ومسيحيين ، وان استخدامها للإشارة فقط إلى المسيحيين هو إستعمال خاطئ.
هذا - وقد بدأ العلماء منتصف القرن التاسع عشر بدراسة القبط ونشر مورتون في فيلادلفيا عام 1844م ، كتابه المسمي < الجنس المصري الأصيل > ، وقال فيه إن القبط خليط من الجنس القوقازي والجنس الزنجي وذلك بنسب مختلفة وهم سلالة مباشرة لقدماء المصريين. ثم أخد العلماء عنه هذا الرأي حتي أظهرت البحوث الحديثة وأجمع العلماء وأهمهم اوتكينج علي أن الأقباط شعب أبيض من شعوب البحر المتوسط ، وهم لم يحافظوا علي بعض ميزات الجنس المصري الأصيل فحسب بل إحتفظوا إلي الآن بالسحن المصرية القديمة ، وكان إختلاطهم بالأجناس المختلفة قليلاً لم يأثر فيهم. ومما أدهش علماء الأجناس الذين أثبتوا أن مقاييس الرأس والقامة تكاد تكون متماثلة تماما بين المومياء المصرية القديمة وهياكل العظام في العصور الأولي وبين أقباط اليوم(مسلمون ومسيحيون).
اللغة الأصلية لقدماء الأقباط
إن اللغة الأصلية للأقباط القدماء ، هي الصورة الأخيرة من تطور اللغة المصرية القديمة ، فقد ظلت اللغة المصرية القديمة لغة الكتابة والتخاطب في مصر إلي أن إستولي الاسكندر الأكبر " المقدوني " علي مصر ، وأخذ المصريين علي إختلاف طبقاتهم يكتبون ويوثقون باللغة اليونانية.
ولقد كانت اللغة المصرية لا تزل تستخدم في الكتابات الدينية والشعبية ، ومنذ عهد الإسكندر ، إزداد إستعمال اللغة اليونانية وقل إستعمال اللغة الديموطيقية في الكتابة ، ولكن كان المصريين يفضلوا تعلم اللغة اليونانية علي اللغة الديموطيقية لما فيها من سهولة، فنبتت فيهم فكرة تدوين لغتهم المصرية بحروف يونانية ، وبعد محاولات مختلفة وصلوا إلي كتابة اللغة المصرية الدارجة بحروف يونانية، واستعانوا ببعض حروف ديموطيقية لسد النقص الصوتي في الأبجدية اليونانية ، وهكذا ظهرت اللغة المصرية القبطية ، وظهرت اللغة القبطية بآدابها في أواسط القرن الثالث الميلادي مدونة.
اللهجة الأصلية لقدماء الأقباط
من المعلوم أنه يوجد إختلافات بين لهجات اللغة المصرية القديمة بمختلف أنواعها ، وهذا ما نراه واضحا الآن بين سكان القطر المصري، ولاريب أن بعض هذه الإختلافات ترجع لما وجد في إختلاف اللهجات القبطية المتعددة بين شمال مصر وجنوبه. كان هناك أربعة لهجات أدبية أساسية في اللغة القبطية اشتقت كل منها من لغة التخاطب في منطقة ما وهي البحرية والصعيدية والفيومية والاخميمية. ولا زال لهذا الاختلاف في اللهجات المصرية القبطية أثرا كبيرا حتي يومنا هذا في اللغة العربية، فيختلف الصعيد في اللهجة عن اللهجة البحرية فلكل منطقة لكنة مختلفة كما في الإسكندرية وبعض مدن الشمال كبورسعيد ودمياط وذلك كله يرجع الي تعددية اللهجات في اللغة القبطية. ازدهرت اللغة القبطية ازدهارا واسعا في القرنين الرابع والخامس بعد الميلاد ، ثم إزدهرت في القرن الثامن وأخذت الكتابة القبطية منذ القرن الثاني عشر تظهر في نهرين بالقبطية والعربية حتي القرن الثالث عشر فمنع إستخدام اللغة المصرية وإستبدلت باللغة العربية.
ولعل من الكلمات القبطية التي نقلها العرب إلي العربية ، والتي لم تزل قائمة حتي وقتنا الرأسماء لمسميات مثل أردب، برسيم، نونو، أم قويق، كحة، لقمة، سمان، ماجور، تمساح، ننوس، بلح، بصارة، شوربة، رمان، سلة، شونه. ومن أسماء الأسماك السمك البوري، البني، اللبيس، الشال، الشلبة ومن الأفعال نجد كلمات مثل فتفت، لكلك، نكت، فط، دمس، فرفر، هلوس وكذلك التعبيرات مثل الورور للفجل الصغير، وجبه بمعني الساعة أو الوقت، المر بمعني الألم، ليلي بمعني افرح ومازلت تردد في الأفراح كلمة ليلي يا عيني ، "بح" بمعني انتهي، "كاني ماني" وغيرها الكثير. ومن أهم مظاهر القومية المصرية القبطية يوجد في أسماء القري والمدن المصرية الحالية التي لم تمحيها العصور المختلفة.
وعلى الرغم أن اللغة القبطية لغة قومية إلا أنها لها العديد من الآثارالعالمية حيث تأثرت بها اللغات الأوروبية ومنها كلمة وازيس بمعني الواحة أخدت بها اللغات المختلفة ، كلمة "كوني" - أي الصمغ - وهي بالقبطية "كومي" - التي أصبحت في الإيطالية "جوما" ، وفي الفرنسية "جوم" ، والإنجليزية "جم" ، وكلمة الأبنوس وهو نوع من الخشب الذي إشتهر به الأقباط.
ولعل كلمة طوبي مثل من الألفاظ التي يعرف تاريخ إنتشارها في الخارج فقد أخذها العرب عند دخولهم لمصر من القبطية وحملوها معهم إلي الأندلس ، فدخلت الأسبانية ثم نقلوها معهم إلي أمريكا اللاتينية ، فإنتشرت هناك كلمة أدوبي ، ثم إنتقلت إلي اللغة الإنجليزية بشكلها الأسباني.
ومن أثر اللغة القبطية أيضاً أن القديسين كيرلس المسمي بالفيلسوف وأخاه ميتودوس عندما وضعا الأبجدية الروسية في القرن التاسع الميلادي أدخلا بعض الحروف القبطية في الأبجدية القبطية التي لا زالت تستعمل حتي اليوم.
الثقافة والأدب لدى الأقباط
أخد العالم نواحي مختلفة من الأدب القبطي أهمها أقوال الآباء ، ثم خطب القديسين في كفاح الوثنية لتثبيت المسيحية ، ثم السحر ، ثم الأدب الدنيوي أو الشعبي.
فأما أقوال الآباء فهي الأقوال النسكية التي دعمت الرهبنة وبينت ناحيتيها النفسية والعملية. وقد وفد علي مصر من الشرق والغرب من دونوا هذه الأقوال وأثبتوها بلغاتهم اليونانية واللاتينية والسريانية وفتحت لهم هذه التعاليم المسيحية المحضة الطريق إلي الرهبنة ، فساروا علي هدايتها ونسجوا علي منوالها ، فالرهبان القبط في عصورهم الأولي عرفوا بالتقوى والتواضع فكانوا يعملون ويعلمون وجاءت أقوالهم بلغات مختلفة في كتاب بستان الرهبان ، وكتب الآباء الحاذقون في العبادة وكذلك في سيرهم ، وظهر في مصر من القديسين الأقباط من لم يعرف العالم أقوي منهم شكيمة في تثبيت المسيحية والكفاح ضد الوثنية.
الأدب الشعبي والموروثات التراث لقدماء الأقباط
ليس الأدب القبطي أدب ديني فحسب ، بل إن الآثار الدينية الدنيوية في الأدب القبطي لاتقل روعة عن الآثار الدينية، فبالرغم من انصراف الأقباط عن تدوين الآداب القبطية في العصور الأولى لغلاءورق البردي إلا أنه تم العثور علي الكثير من الرسائل والوثائق القبطية عن الأدب القبطي الديني والشعبي. وازدهر الأدب القبطي في القرنين الرابع والخامس الميلادي، ولكن كان دخول المسلمين لمصر صدمة عنيفة للأدب القبطي إلا أنه صحا مرة أخرى في النصف الأخير من القرت السابع وفي القرن الثامن فقامت بين القبط نهضة أدبية كان لها الطابع الشعبي أكثر من الطابع الديني، وكان وقتئذ نظام الأديرة أقل صرامة بحيث اتيح للرهبان الاشتغال بشتي الحرف، فقد أصبحوا يقرأون الكتب الدنيوية في الأديرة وبخاصة أن الورق قد حل محل البردي ، وأصبح في متناول الجميع.
ولعل من أهم الأعمال الأدبية الشعبية القبطية قصة تيودوسيوس وديونسيوس التي ترجع إلى أوائل القرن الثامن، وكان بطلها صانع مصري بلغ منصب امبراطور اليونان. وقد نسي أخوه الذي كان صانع خشب مصري ثم يلقاه ثانية ويعينه رئيس لأساقفة العاصمة اليونانية. وأيضا من أشهر قصص الأدب القبطي رواية قمبيز وهي قصة أصلية باللغة القبطية تتضمن تاريخا خياليا لغزو مصر علي يد الملك "قمبيز" الذي كان ملك للفرس ، وبالإضافة لهذه القصص ، فقد تم العثور علي بعض الأجزاء من قصة الاسكندر الأكبر مترجمة إلى الصعيدية.
وهناك آثار أدبية كثيرة منها أيضاً القصيدة التي كتبت عن ارخليدس وأمه سنكليتكس ، ويدل كل هذا علي ما للأقباط من أثر عميق في الأدب الشعبي.
قدماء الأقباط والعلم
لقد ورث الأقباط عن أجدادهم الفراعنة حضارة ، كما ورثوا عنهم المنهج العلمي والمثابرة علي الدرس والتعمق في البحث، فقد تركزت دراسة العلوم فيجامعة الإسكندرية ، وظهر فيها أساتذة من المصريين تخرج علي أيديهم كثير من العلماء الذين عرفهم العالم القديم.
كما ووضع القبط في الإسكندرية أكثر المصطلحات العلمية التي كانت معروفة في ذلك الوقت. وعنهم أخذها العالم وظهر في ذلك الوقت من العلماء الأقباط العالم هيروفيلاس مؤسس علم التشريع، والعالم القبطي ايرستسراتوس مؤسس علم وظائف الأعضاء، وديموكريتوس صاحب نظرية الذرة، وكلسوس الذي وضع تذكرته المشهورة لمنع تلف الأسنان، وسيرابيون السكندري الذي إتجه إلى دراسة العقاقير المصرية القديمة. وممن تتلمذ في الإسكندرية جالينوس الذي ذاع صيته في العالم وغيرهم الكثير من العلماء الأقباط الذين كان لهم أكبر الدور في تقدم العلوم في العالم في ذلك الوقت.











إرسال تعليق